من “الشرق الأوسط الجديد” إلى “بيت العنكبوت”: “هآرتس” تنعى أسطورة الردع وتُعرّي “مرثية القبة” تحت ذعر الملاجئ

شارك القصة

من “الشرق الأوسط الجديد” إلى “بيت العنكبوت”: “هآرتس” تنعى أسطورة الردع وتُعرّي “مرثية القبة” تحت ذعر الملاجئ
من “الشرق الأوسط الجديد” إلى “بيت العنكبوت”: “هآرتس” تنعى أسطورة الردع وتُعرّي “مرثية القبة” تحت ذعر الملاجئ
الخط

د. سلام عودة المالكي

 

جاء المقال الافتتاحي في صحيفة “هآرتس” ليعري زيف الشعارات التي يقتات عليها ترامب وحليفه نتنياهو. الصرخة التي أطلقتها الصحيفة لم تكن مجرد سخرية سياسية عابرة حين قالت:”أبلغوا ترامب بأنه انتصر، وإلا سنبقى إلى نهاية العام في الملاجئ”؛ لا بل كانت إقراراً مدوياً بفشل “نظرية الأمن” الإسرائيلي أمام واقع إقليمي جديد فرضته إيران وحلفاؤها بذكاء وصبر استراتيجي.

 

أولاً: الانكسار العسكري.. القبة التي ثقبتها “أمطار” الفرط صوتي

 

لقد راهن الثنائي (ترامب-نتنياهو) على استراتيجية “الضغط الأقصى” والضربات الجراحية، متوهمين أن طهران ستنكفئ خلف حدودها. لكن الواقع الميداني كشف عن فشل استخباراتي وعسكري ذريع؛ فقد نجحت إيران في بناء “مدن محصنة” في أعماق الجبال، وأسست منظومة ردع صاروخي عابرة للحدود تجاوزت كل التقديرات. إن سقوط هيبة الردع تجلى في تلك اللحظات التي زلزلت فيها الصواريخ الباليستية والفرط صوتية عمق تل أبيب وحيفا، لتثبت أن التكنولوجيا الغربية لم تعد درعاً واقياً من “مطر الحقيقة” القادم من الشرق. ومع تبلور مفهوم “وحدة الساحات”، وجدت إسرائيل نفسها لا تواجه فصائل مشتتة، لا بل جيشاً إقليمياً متكاملاً يدير “أوركسترا” من النيران المنسقة من لبنان والعراق، مما جعل الدفاعات الجوية الإسرائيلية تعيش حالة استنزاف تقني ومالي عاجزة عن حسم الموقف.

 

ثانياً: الانتحار الاقتصادي.. نزيف المليارات في “ثقب الملاجئ” الأسود

 

لم تكن صرخة “هآرتس” مجرد خوف من الصواريخ، بل هي استدراك للكارثة المالية التي تعصف بالكيان؛ فالبقاء في الملاجئ ليس توقفاً مؤقتاً للحياة، لا بل هو “موت سريري” للاقتصاد. إن استنزاف الموازنة بين كلفة الاعتراض الصاروخي الباهظة -التي تعادل أضعاف كلفة الصواريخ المهاجمة- وبين شلل الموانئ وتوقف قطاع التكنولوجيا (قاطرة الاقتصاد الإسرائيلي)، يضع الكيان أمام حقيقة “الانتحار الذاتي”. إن الرهان على ترامب ونتنياهو لم يورث إلا عجزاً تاريخياً في الميزانية، وهروباً لرؤوس الأموال، وعودة “الكيان المستثمر” إلى “كيان إعانات” تعيش على فتات المساعدات الأمريكية، بينما يلتهم “ثقب الملاجئ” كل مقومات الرفاهية والنمو، ليتحول “الوهم بالعظمة” إلى إفلاس موثق بالأرقام.

 

ثالثاً: تفكك التحالفات والعبء الاستراتيجي

 

على الرقعة الدولية، اكتشف حلفاء واشنطن أن “المظلة الأمريكية” باتت مليئة بالثقوب. وبدلاً من أن تكون إسرائيل “ذخراً أمنياً”، تحولت إلى “عبء استراتيجي” يجر المنطقة نحو حرائق لا تنتهي. إن سياسة ترامب “أمريكا أولاً” جعلت واشنطن تبدو شريكاً غير موثوق، في وقت نجحت فيه طهران في تمتين تحالفاتها مع الأقطاب الكبرى، تاركةً إسرائيل وحيدة تواجه “خريفها” العسكري.

 

رابعاً: الزلزال الداخلي .. مجتمع ممزق تحت الأرض

 

داخل الملاجئ المظلمة، تحول القلق إلى شرخ اجتماعي بنيوي. إن صرخة “هآرتس” تعكس الهوة السحيقة بين قيادة تعيش في “برج ترامب” العاجي، ومجتمع يُساق نحو حتفه لتأمين البقاء السياسي لنتنياهو، وأن الشعور السائد اليوم هو أن “النصر” الذي يبشر به القادة لا يعدو كونه “نصر ورقي”، بينما الحقيقة هي ضياع العقد الاجتماعي وفقدان الأمل في غدٍ آمن.

 

الخاتمة: سيكولوجيا الانحسار من نبوءة التوسع إلى واقع الذعر

 

إن إصرار ترامب ونتنياهو على تجاهل وزن إيران وحلفائها لم يعد “قوة”، لا بل بات نوعاً من “الانتحار الاستراتيجي”. الحقيقة التي يهرب منها الجميع هي أن القوة الغاشمة فشلت في تأمين “البيت الداخلي”، وأن مطالبة ترامب بإعلان الانتصار هي في جوهرها شهادة وفاة لمرحلة التفوق الإسرائيلي المطلق. لقد انتصرت “واقعية الصواريخ” على “أوهام السياسة”، وبات الثمن الذي تدفعه إسرائيل هو الانهيار من الداخل، بينما يقف العالم متفرجاً على قادة يبيعون انتصارات وهمية لا مكان لها سوى في مخيلاتهم المريضة.

 

اليوم، لم يعد السؤال: ‘متى ستبدأ الحرب؟’، بل ‘كيف الخروج من الملاجئ؟’. لقد سقطت الهيبة بفعل زخات الصواريخ، وتحول الكيان من ‘الحصن المنيع’ الذي يُرهب محيطه إلى ‘كيان الخوف’ يبحث عن أمنه في أعماق الأرض. إنها لحظة الحقيقة التي أثبتت أن التكنولوجيا مهما بلغت، لا يمكنها حماية أوهام العظمة من ‘مطر الحقيقة’ القادم من الشرق.