عقيدة الاستنزاف المزدوج: من “سيناريو كيسنجر” إلى خرافة “إسرائيل الكبرى “

شارك القصة

عقيدة الاستنزاف المزدوج: من “سيناريو كيسنجر” إلى خرافة “إسرائيل الكبرى “
عقيدة الاستنزاف المزدوج: من “سيناريو كيسنجر” إلى خرافة “إسرائيل الكبرى “
الخط

في ثمانينيات القرن الماضي، صاغ الثعلب السياسي “هنري كيسنجر” دستوراً غير مكتوب للتعامل مع القوى الصاعدة في الشرق الأوسط بعد انتصار الثورة الإسلامية في ايران بقوله عن الحرب العراقية الإيرانية: “؛ إنها أول حرب في التاريخ نتمنى ألا يخرج منها منتصر”. أن يخرج الطرفان وكلاهما مهزوم ! لم تكن هذه الكلمات مجرد أمنية، بل كانت “هندسة سياسية” تهدف إلى تحويل القوة العسكرية والاقتصادية للدول الإقليمية إلى وقود لحرائق ذاتية، تضمن بقاء “الموازن الخارجي” (واشنطن) و”الوكيل الحصري” (إسرائيل) في قمة الهرم القيادي للمنطقة. أنها “الفلسفة الهدّامة” وصناعة “اللا حسم” في عقلية صانع القرار الأمريكي.

أولاً: الجغرافيا السياسية للفخ (الاستنزاف المتجدد)
اليوم، يُعاد إنتاج “سيناريو كيسنجر” ولكن بآليات القرن الحادي والعشرين. لذا تسعى الاستراتيجية (الأمريكية-الإسرائيلية) لجر “الكتلة الخليجية” الصاعدة إلى فخ استنزاف شامل يرتكز على محوريين:

• تبخير الفوائض السيادية: تحويل المليارات المخصصة لخطط التحول الوطني (مثل رؤية 2030) من استثمارات تنموية وتقنية إلى “ثقب أسود” من صفقات التسليح وكلف الحماية وبناء القواعد العسكرية وتمويل الحروب الأمريكية التي لا فائدة منها .ان الهدف هو منع هذه الدول من امتلاك “السيادة المالية” التي تمكنها الخروج عن بيت الطاعة الأمريكية .

• عقيدة “البعبع” الوظيفي: يتم توظيف التهديدات الإقليمية لتضييق الخناق على دول الخليج وتضخيم الخطر المحدق بها ، لإبقائها رهينة للولايات المتحدة مما يستدعي “الاستجداء الأمني” الدائم من واشنطن وتل أبيب، وهذا ما يجهض أي محاولة لبناء نظام أمن إقليمي “عربي-إسلامي” مستقل.

ثانياً: فخ الصدام المباشر.. الانتحار الاستراتيجي بالوكالة
إن أخطر ما يواجه دول الخليج اليوم هو الضغط الممنهج لدفعها نحو “مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران”. هذا الصدام، إن حدث، سيمثل “الهدية الكبرى” للمشروع الصهيوني لعدة أسباب:
1.تدمير “الواحات التنموية”: أي صراع عسكري في الخليج سيعني تحويل مدن “المستقبل” (مثل نيوم و دبي) إلى أهداف عسكرية، مما يؤدي لهروب رؤوس الأموال العالمية فوراً وتوقف عجلة الاستثمار لعقود.
2.الاستنزاف المتبادل (النسخة الثانية): المواجهة ستؤدي لإنهاك القدرات العسكرية والاقتصادية الخليجية وتدمير البنية التحتية النفطية ، والنتيجة هي “خروج الطرفين منهكين ” تماماً كما تمنى كيسنجر، مما يخلي الساحة تماماً لتفرد إسرائيل بالسيادة الإقليمية.
3.التحول لـ “شركات أمنية”: في حال اشتعال الحرب، ستتحول دول الخليج من “دول طموحة في الريادة الـتنموية” إلى دول تعيش تحت رحمة القواعد الأجنبية ومنظومات الدفاع المستوردة، مما ينهي حلم “الاستقلال الاستراتيجي”.

ثالثاً: الجيواقتصاد..
1.معركة “الممرات” وسلب السيادة الجغرافية هو المخطط الأكبر الذي يتجاوز الصراع العسكري إلى “إعادة هندسة التجارة العالمية”. فإسرائيل تسعى لتحويل مركز الثقل الاقتصادي من ضفاف الخليج وقناة السويس إلى موانئها:

2.مشروع (IMEC) والبديل القسري الذي يهدف “الممر الهندي-الشرق أوسطي-الأوروبي” لربط الهند بأوروبا عبر “جسر بري” إسرائيلي. هذا المشروع يتغذى على اضطراب الممرات العربية (باب المندب، هرمز، قناة السويس)، لإقناع العالم بأن “حيفا” هي الملاذ الآمن الوحيد ولذلك تستهدف ايران فتارة لإضعافها عسكريا واقتصاديا وتارة اخرى لإشغال المنطقة بحروب لا جدوى منها ولا أسباب موجبة لها.

3.إسرائيل الكبرى “وظيفياً”:
لم يعد الحلم الصهيوني مجرد توسع جغرافي فحسب،بل هو “احتلال وظيفي” للبيانات، والطاقة، واللوجستيات، لتصبح هي “العقل المدبر” للمنطقة، بينما تكتفي الدول العربية بدور “الممول والمستهلك”على الرغم من إنه حلم بعيد المنال .

رابعاً: كسر القيد..
إن ضرورة الاستقلال الاستراتيجي وخلق البدائل الوجودية لإحباط هذا المخطط، بات امراً حتمياً والذي بدأت ملامح “التمرد الاستراتيجي” تلوح في الأفق عبر:
1. الهروب نحو “تعدد الأقطاب” من خلال الانضمام لكتلة بركس(BRICS) والذي يمثل كسر الاحتكار الأمريكي للأمن والاقتصاد.
2.تصفير المشاكل البينية: عن طريق إنهاء الصراعات الإقليمية (عبر الوساطات الصينية) هو الرد العملي على “عقيدة كيسنجر”؛ لأنه يغلق باب الاستنزاف المتبادل.
3.طريق الحرير : التمسك بمبادرة الصين ” الحزام والطريق “وعقد اتفاقيات تجارية واقتصادية تربط دول المنطقة مع الصين والهند وأوربا هو معركة وجودية لإبقاء التحكم في التجارة بأيدٍ ابناء دول المنطقة .

الخلاصة والخاتمة الاستراتيجية: إن الخروج من “محرقة التاريخ”يكمن في دور دول الخليج التي تقف اليوم أمام لحظة حقيقة وجودية؛ فالمشهد الجيوسياسي المصمم في الغرف المظلمة لا يستهدف حماية أمنها، بل يستهدف “صهر” إمكاناتها في بوتقة صراع لا ينتهي.

إن “عقيدة كيسنجر” التي أحرقت بغداد وطهران في الثمانينيات، بسبب حماقة صدام تُحدث برمجياتها اليوم لتحرق “رؤى المستقبل” في الرياض وأبوظبي والدوحة.
إن الانتصار في هذه المعركة لا يتحقق بـ “فوهات المدافع” التي تُشترى من الخارج، بل بـ “الوعي الاستراتيجي” الذي يرفض دور “الحطب” في نيران العصابة الصهيونية . إن البديل الوحيد للدمار هو صياغة “نظام أمن واقتصاد إقليمي جامع” يرفض الاستقطاب، ويحول السردية الأمريكية بالتهديد الإيراني من “عدو دائم” في عقلية حكام الخليج إلى “جار مسالم ” يتم التحالف معه بالمصالح والمخاطر المشتركة وان الامن القومي للمنطقة هو امن للجميع ،ويجب مواجهة الغطرسة الإسرائيلية ببناء “كتلة اقتصادية عربية -اسلامية” تتحكم في ممراتها السيادية من باب المندب إلى قناة السويس.
في نهاية المطاف، التاريخ لا يرحم الدول التي تبني قصوراً من رمال في مهب ريح الحروب بالوكالة، وللخروج من “فخ كيسنجر” يتطلب شجاعة في الانحياز للمصالح الوطنية العليا فوق الالتزامات الأمنية المفروضة قسراً، لضمان ألا يتحول “الشرق الأوسط الجديد” إلى مجرد “ضاحية اقتصادية” تابعة لتل أبيب، بل قارة اقتصادية مستقلة تقود النظام العالمي القادم.

د. سلام عودة المالكي