لم تكن المواجهة التي تقودها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني ضد الجمهورية الإسلامية في إيران مجرد صراع نفوذ وهيمنة ، بل كانت اختباراً لعقيدة سياسية تقوم على “تسطيح” تعقيدات الجيوسياسية واختزالها في القوة العسكرية الغاشمة. لقد سقطت الإدارة الأمريكية في فخ “وهم النصر السريع”، معتقدة أن اغتيال الرموز القيادية سيؤدي حتماً إلى انهيار الأنظمة.
واليوم، يتضح أن واشنطن لم تسيء تقدير القدرة الإيرانية فحسب، بل تسببت في شرخ تاريخي داخل حلف الناتو، مما حول الرهان الأمريكي من محاولة “تغيير سلوك” إلى أزمة ثقة عالمية تضرب عمق التحالفات التقليدية كاشفة عن حقيقة بيت العنكبوت الأمريكي الذي وقع بين “وهم القوة وفجوة الإدراك”.
أولاً: تصدع الناتو: من “الدفاع المشترك” إلى “الطريق ذي الاتجاه الواحد”
– برز الفشل الاستراتيجي الأكبر في عجز واشنطن عن حشد حلفائها التقليديين خلف مغامرتها العسكرية العبثية الغير محسوبة العواقب. لقد تحول حلف الناتو في نظر ترامب إلى “نمر من ورق” بعد رفض دول كبرى (مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا) فتح أجوائها أو قواعدها للضربات الأمريكية في عدوانها على إيران ليجد ترامب نفسه وحيداً أمام تحديات العزلة الدولية وتآكل التحالفات.
– أزمة مضيق هرمز: وجه ترامب انتقادات لاذعة للحلفاء بعد أن فشل في تحشيد تحالف دولي وازن واصفاً إياهم بـ “الجبناء” لرفضهم المشاركة في تأمين الملاحة. كاشفاً عن ارتباك استراتيجي حاد؛ فالولايات المتحدة أرادت التصعيد عسكرياً وإعلامياً لكنها اصطدمت بواقع “حرب الاستنزاف” التي لا يطيقها الاقتصاد الأمريكي ولا صناديق الاقتراع ولا امكانيات حلفائها .
– الخلاف مع بريطانيا: برز توتر غير مسبوق مع لندن (الحليف التاريخي الأول)، حيث انتقد ترامب رئيس الوزراء كير ستارمر لعدم دعمه الفوري للعمليات، معتبراً أن “الناتو أصبح طريقاً ذا اتجاه واحد” تستفيد منه أوروبا دون دفع الثمن.
– تهديد الانسحاب: وصلت الأزمة ذروتها مع تلويح واشنطن بإعادة النظر في عضويتها في الحلف، وربط تضامنها بمدى انخراط الأعضاء في حروبها الإقليمية والتي تتخذ قرارتها منفردة دون التشاور مع حلفائها.
ثانياً: سيكولوجية الاغتيال: الفرد مقابل “عقيدة المؤسسة”
– راهن ترامب على أن اغتيال القادة في الجمهورية الإسلامية سيشل حلقة القرار. بيد أن النظام في إيران أثبت اعتماده على بنية مؤسساتية صلبة؛ فبدلاً من الانهيار، منحت هذه العمليات النظام زخماً شعبياً، وتماسكاً غير مسبوق، واستبدلت القادة بصفوف ثانية أكثر إصراراً، مما حول الفعل العسكري إلى “محفز استراتيجي” استدعى رداً مباشراً كسر هيبة القواعد الأمريكية المتواجدة في المنطقة ،واليوم، يتضح أن واشنطن لم تسيء تقدير القدرة العسكرية الإيرانية فحسب، بل فشلت في فهم “المؤسساتية السيالة” و”العمق الاستراتيجي” الذي تُدار به الدولة في طهران، مما حول الرهان الأمريكي من محاولة “تغيير سلوك” إلى “مأزق وجودي” للقوة العظمى.
ثالثاً: البرنامج النووي: الصمود العلمي أمام “خيار الصواريخ”
آن الخطأ التقني الفادح لترامب باعتقاده أن القنابل الخارقة للتحصينات ستنهي الطموح النووي. بينما الحقيقة أن البرنامج النووي الإيراني محصن في عقول أكثر من 30 ألف خبير وباحث؛ وهي قوة بشرية لا يمكن تدميرها بالقصف. لقد تحول العلم إلى “معرفة موطنة”، مما جعل أي هجوم عسكري مجرد تأخير مؤقت يعقبه قفزات تقنية أكثر تعقيداً.
رابعاً: التداعيات الاقتصادية وفاتورة الاستنزاف
– انعكس هذا التخبط مباشرة على الاقتصاد العالمي:
– قفزة أسعار الطاقة: تسبب إغلاق المضيق في ارتفاع حاد بأسعار النفط والغاز، وهو ما تذمر منه حلفاء الناتو ورفضوا المشاركة عسكرياً في هذه الحرب ألتي لاجدوى منها. ولم تقتصر على الأسواق العالمية فحسب، بل تسببت في موجة تضخم داخلية أضرت بالمستهلك الأمريكي بشكل مباشر.
– نزيف الميزانية: كلفة التشغيل العسكري الأمريكي الضخم أرهقت الخزانة دون تحقيق نتائج سياسية، مما دفع ترامب للتهديد بترك مسؤولية المضيق للدول المستفيدة منه بالرغم من أنه طلب دول الخليج بدفع تكاليف الحرب.
– أزمة الدولار: أصبحت تصريحات ترامب المتناقضة مصدراً للقلق في البورصات العالمية، مما أضعف صورة “الدولار السيادي” المرتبط بالاستقرار الاقتصادي.
خامسة: التناقض الدبلوماسي: التنقل الحاد بين التهديد بـ “الإبادة” والادعاء بوجود “محادثات مثمرة”
– كشف عن غياب رؤية واضحة لما بعد التصعيد “التيه السياسي”، مما جعل واشنطن تبدو كطرف يبحث عن مخرج آمن لا عن نصر حاسم، وجعلها في موقف حرج أمام حلفائها قبل خصومها وهو أمراً بات واضحاً في تذبذب الموقف الأمريكي تجاه كيفية التعامل مع هذا “المأزق الاستراتيجي ” وصوّر واشنطن في مظهر الطرف “المضطرب” الذي لا يملك رؤية واضحة لما بعد هذه المواجهة.
الخاتمة: موازين القوى الجديدة ونهاية القطبية
إن محصلة هذه الحرب لم تكن “اتفاقاً أفضل”، بل كانت إعلاناً عن فشل سياسة “الضغوط القصوى” وتفككاً تدريجياً لمنظومة الأمن الأطلسي. بينما إيران التي ترد بقسوة وتثبت أقدامها، أرسلت رسالة بأن القوة العظمى لم تعد قادرة على فرض إرادتها منفردة. لقد خرجت إيران من هذه المواجهات بتموضع أكثر جرأة وقدرة على الرد القاسي في عمق القواعد الأمريكية والمصالح الصهيونية، بينما بقي ترامب يراوح مكانه بين “تغريدات النصر الوهمي” و”واقع الانكفاء الميداني”.
لقد سقط قناع “الشرطي العالمي” أمام ثبات “الدولة العقائدية”، ليُسجل التاريخ هذه الحقبة كأحد أكبر الإخفاقات الاستراتيجية في تاريخ السياسة الخارجية الأمريكية الحديث أمام ثبات “المؤسسة التي لا تنكسر”.
د. سلام عودة المالكي