أبعد من مسيّرة: سيناريو معد بالدم

شارك القصة

أبعد من مسيّرة: سيناريو معد بالدم
أبعد من مسيّرة: سيناريو معد بالدم
الخط

 

د. سلام عودة المالكي

في السياسة لا شيء يحدث بالصدفة، خصوصاً حين يكون الثمن دماءً وسيادة.

إن إعلان الرياض وواشنطن عن قصف سبع محافظات عراقية، رداً على مسيّرة لم تصب هدفاً ولم توقع خسائر، يضعنا أمام “فجوة تناسب” لا يمكن تفسيرها بمنطق الردع. فكيف لحدث نفت بغداد وطهران وفصائل المقاومة صلته به، أن يتحول إلى عدوان واسع يستهدف مقار حكومية تابعة للحشد الشعبي ويؤدي لسقوط عشرات الشهداء والجرحى إلا إذا كان ضمن سيناريو معد سلفاً ينتظر لحظة الصفر وفق قاعدة بيانات استخبارية.

التوقيت وحده يكشف النوايا، فالضربات تزامنت مع زيارة مرتقبة لرئيس الوزراء العراقي إلى الرياض، وكأن المطلوب نسف أي جسر دبلوماسي قبل بنائه وإظهار العراق عاجز عن حماية أجوائه. والأخطر أن التصعيد في العراق جاء متزامناً مع غارات سعودية مكثفة على اليمن، ما يعني أننا أمام محاولة لضرب طوق ناري حول “محور المقاومة” من شماله إلى جنوبه، وتحت غطاء استخباري أمريكي وصهيوني.

وبينما كان العراق يطالب بتحقيق فني وقانوني لكشف زيف الادعاءات وتقديم أدلة ملموسة، تخطت الآلة العسكرية المشتركة القنوات الدبلوماسية، بالتزامن مع تصعيد عسكري سعودي مكثف واستثنائي استهدف مقار ومواقع حيوية في اليمن. إن هذا الربط العملياتي يمنح المشهد بعداً استراتيجياً أعمق؛ فالرياض، وتحت غطاء استخباري أمريكي وصهيوني، تبدو وكأنها تحاول حسم ملفاتها الأمنية دفعة واحدة بضرب طوق من النار حول “محور المقاومة” من شماله في العراق إلى جنوبه في اليمن، وفرض توازن ردع جديد عابر للحدود.

هنا يبرز السؤال: من المستفيد؟ المستفيد الأكبر بلا شك هو الكيان الصهيوني الذي يحيا على تغذية الصراعات العربية-العربية. وربما انزلقت الرياض إلى فخ تقارير مضللة ضخمت الخطر الأمني على الطاقة، فدفعتها لخيار “الضربة المفرطة” دون تثبت أو ربما كان القرار خيار استراتيجي مدروس لرسم خطوط حمراء جديدة، حتى لو كان الثمن تقويض التقارب مع بغداد.

إن أمام العراق اليوم ثلاثة مسارات: رد عسكري منضبط برسائل ردع خلف الستار، أو احتواء سياسي عبر مجلس الأمن وتأجيل الزيارة، أو السيناريو الأكثر تعقيدا وهو توحيد الجبهات مع اليمن لشل عصب الطاقة الإقليمي.

الخلاصة أن قصة “المسيّرة التائهة” مجرد عنوان، وما يجري هو إعادة تموضع جيوسياسي كبرى تستخدم فيها أراضينا كساحة بريد بالدم. والمرجح أن المرحلة القادمة ستشهد دبلوماسية لامتصاص الصدمة، وردعاً عسكرياً محسوباً، مع تجنب الانزلاق إلى حرب شاملة لا رابح فيها إلا من يدير اللعبة من وراء الستار.