جغرافيا الظل: القواعد العسكرية في الخليج وعقيدة “الشراكة الصامتة” في القانون الدولي

شارك القصة

الخط

د. سلام عودة المالكي

تُحاط القواعد العسكرية الأجنبية في منطقة الخليج العربي بهالة كثيفة من المصطلحات المنتقاة بعناية؛ فهي دائماً “مراكز للتدريب المشترك”، و”نقاط للتعاون الأمني”، و”ساحات لتبادل الخبرات”. لكن خلف هذه الواجهات المصقولة، وفي كواليس الحسابات الاستراتيجية، تكشف الجغرافيا السياسية عن حقيقة مغايرة: إننا أمام منشآت كلّفت مئات المليارات من الدولارات، لم تُبْنَ لمحاكاة المعارك في غرف التدريب، بل لتكون “العصب الحسي والعملياتي” للسياسة الخارجية الأمريكية، وشريكاً بنيوياً في صراعات المنطقة وإدارتها.

أولاً: ما وراء التدريب.. العصب الاستخباري والدفاع العملياتي

من الناحية العسكرية الصرفة، يسقط التفسير التقليدي لهذه القواعد أمام ضخامة التكنولوجيا المزروعة فيها. لا يمكن منطقياً تفسير الإنفاق الملياري على قواعد عملاقة مثل “العديد” في قطر، و”الأسطول الخامس” في البحرين، و”عريفجان” في الكويت، و”الأمير سلطان” في السعودية، و”الظفرة” في الإمارات، وغيرها من القواعد المنتشرة في الخليج، بمجرد الرغبة في تبادل التحايا العسكرية.
فهذه القواعد تمثل غرف التحكم الكبرى:
* التجسس وإدارة الإحداثيات: تضم أحدث منظومات الاستشعار والتنصت، وتُدير الطائرات المسيّرة لجمع المعلومات الاستخباراتية الفورية حول تحركات خصوم واشنطن، وعلى رأسهم إيران.

* الرادارات وتوجيه الضربات: تعمل شبكات الرادار المتطورة على رصد الأجواء وتمرير بيانات الإحداثيات فورياً إلى مراكز القرار الأمريكية والإسرائيلية، وهو ما تجلى بوضوح في معارك الدفاع الجوي المشترك لصد الهجمات الصاروخية والمسيرات في المنطقة.

ثانياً: اقتصاديات الحماية.. الحروب مدفوعة الثمن
هذا الوجود العسكري ليس تبرعاً أمنياً مجانياً، بل هو معادلة تجارية مغلفة باتفاقيات دفاعية. لقد رفعت تصريحات المسؤولين، من الرئيس الأمريكي ترامب إلى سياسيين بارزين في المنطقة مثل رئيس وزراء قطر الأسبق حمد بن جاسم، الستار عن البُعد المالي لهذا الوجود:
* تمويل الحروب: تأسست منظومة مفادها أن الدول المضيفة تتحمل أعباء تشغيلية ضخمة لهذه القواعد، أو تعوضها عبر صفقات تسليح بمليارات الدولارات تنعش الخزانة الأمريكية.
* الاستثمار مقابل البقاء: صِيغت معادلة “مقايضة المال بالحماية”، حيث يغدو ضخ الاستثمارات الخليجية في السندات والأسواق الأمريكية شرطاً غير معلن لضمان استمرار مظلة الدفاع الأمريكية عن أنظمة الحكم، مما جعل العلاقة الأمنية شبيهة بعقد حماية تجاري متبادل.

ثالثاً: معضلة “السيادة النظرية” وثغرات الاتفاقيات الأمنية
تتحصن الدول المضيفة دائماً بنداءات السيادة، مؤكدة عبر “اتفاقيات وضع القوات” (SOFA) أو “اتفاقيات التعاون الدفاعي” (DCA) أن أراضيها لن تُستخدم لشن هجمات عدائية مباشرة ضد الجوار. لكن القراءة المتعمقة للتطبيق العملي تكشف عن مأزق سيادي حاد:
•ثغرة الاستخدام المزدوج: أن كانت الدول تملك حق رفض انطلاق مقاتلة حربية من مدارجها، إلا أنها لا تملك أي إشراف تقني أو فيزيائي على القسم الأمريكي من القاعدة؛ حيث تتدفق بيانات التجس والإحداثيات الرادارية عبر الأقمار الصناعية فورياً إلى البنتاغون دون الحاجة إلى إذن محلي، مما يجعل النفي الدبلوماسي مجرداً من القيمة التقنية.
* الجزر السيادية: تمنح هذه الاتفاقيات حصانة قضائية كاملة للجنود والمقاولين الأمريكيين، مما يحول القواعد عملياً إلى جزر خاضعة بالكامل للسيادة الأمريكية فوق أراضٍ عربية.

رابعاً: ميزان القانون الدولي وسوابق “الشراكة الصامتة”
هنا يبرز السؤال الجوهري: هل تُعفى الدولة المضيفة أو الممولة من المسؤولية إذا لم تطلق الرصاصة الأولى؟ القانون الدولي يجيب بـ “لا” قاطعة عبر معايير صارمة تحدد مفهوم “المساعدة والمعاونة”.
وفقاً لـ “قانون مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دولياً” (المادة 16)، فإن تقديم التسهيلات اللوجستية، أو التمويل، أو معلومات الاستخبارات مع العلم بظروف الفعل، يربط الدولة المضيفة قانونياً بالجرم ويجعلها “شريكة في تسهيل الفعل غير المشروع”. والتاريخ القضائي الدولي مليء بالدلالات:
* قضية نيكاراغوا ضد أمريكا (1986): أدانت محكمة العدل الدولية واشنطن لتمويلها وتدريبها قوات “الكونترا” واستخدام أراضي دول مجاورة كقواعد إمداد، وأرست مبدأ أن تقديم الأرض والتمويل لعمليات عسكرية يسقط ادعاءات الحياد ويحمّل أطرافه المسؤولية.
* تحكيم سفينة ألاباما (1872): أُلزمت بريطانيا بدفع تعويضات مالية ضخمة لواشنطن لأنها سمحت ببناء وتجهيز سفن حربية لقوات الجنوب خلال الحرب الأهلية الأمريكية، حيث اعتبر القضاء الدولي أن تقديم التسهيلات والموانئ والمساعدات المالية يسقط صفة الحياد ويُعد مشاركة غير مباشرة في الحرب.
* *مبدأ المساعدة والمعاونة *: في المحاكم الجنائية الدولية الحديثة، استقر الفقه القانوني على أن أي طرف يقدم “دعمًا عمليًا أو تيسيرًا ماليًا” يكون له تأثير جوهري على مجريات النزاع، يُصنف كشريك حتى وإن لم يشارك في القتال المباشر.

إن التشابك التكنولوجي، والدمج الفوري للبيانات الاستخباراتية، والتدفق المالي الضخم، نسف الحدود التقليدية بين “المضيف” و”المحارب”. ورغم كل محاولات النأي بالنفس والمناورات الدبلوماسية، فإن القانون الدولي – ومعه استراتيجيات الردع العسكري للخصوم كإيران – يرى في هذه القواعد المليارية كتلة عملياتية واحدة.
وبناءً عليه، فإن الدول التي تظن أنها تشتري أمنها بـ “فاتورة حماية” أو “قواعد صامتة”، تجد نفسها قانونياً وعسكرياً في عين العاصفة؛ كشريك عملياتي لا تملك أراضيه رفاهية الحياد حين تدق طبول الحرب الإقليمية.