أثر النبوءات الإنجيلية في تشكيل العقيدة الصهيونية

شارك القصة

أثر النبوءات الإنجيلية في تشكيل العقيدة الصهيونية
أثر النبوءات الإنجيلية في تشكيل العقيدة الصهيونية
الخط

 د. سلام عودة المالكي

ولدت فكرة المشروع الصهيوني من رحم الديانة المسيحية بدايات القرن السابع عشر ومن بنات أفكار مجموعة متشددة من أتباع الطائفة اللوثرية المنسوبة إلى (مارتن لوثر كينغ) بتأسيس الطائفة الإنجيليّة والتي تؤمن بنبوءة (سفر حزقيال) ومن أهم معتقداتهم الدينية قيام معركة (هرمجدون) بين اليهود وبقية الامم ولتحقيق هذه النبوءة بداءت الدعوة الى جمع شتات اليهود من كل بقاع الأرض وتأسيس دولة اسرائيل في أرض الميعاد (جبل صهيون).

 

إن هذه النبوءة ربطت ظهور دولة اسرائيل بهذه المعركة وأن حدوثها يؤدي إلى إبادة ثلثي اليهود لينزل المسيح عليه السلام لحماية ماتبقى منهم ودعوتهم الى المسيحية لتحقيق الخاتمة الكونية.

 

من هنا ؛ فإن قيام الدولة اليهودية يرتبط بنزول السيد المسيح لذلك بذل الانجيليين جهوداً كبيرة في سبيل إحياء المشروع الصهيوني مطلع القرن التاسع عشر الميلادي بالتزامن مع ظهور الحركات القومية والصراعات السياسية بين الدول الأوروبية وانتشار الفكر القومي لتبرز فكرة انشاء وطن خاص باليهود بين بعض قادة اليهود بدعم وتأييد كبير من اتباع الطائفة الإنجيليّة. لذلك دعا “تيودور هرتزل” الى قيام دولة يهودية على غرار باقي الأمم.

 

ومن المفارقات أن “هرتزل” لم يكن مصراً على ان تكون أرض الميعاد في فلسطين. اذ أن غالبية اليهود لايملكون الرغبة في العودة إلى أرض الميعاد دون تدخل إلهي كونهم يعتقدون بأن الرب هو الذي منحهم هذه الأرض وبسبب كثرة ذنوبهم اخرجهم منها وهو من يعيدهم إليها باستثناء “اليمين اليهودي المتطرف”.

 

إما “هرتزل” فقد كان يعمل على تحقيق أهدافه في أي مكان من الأرض وصولاً نحو تحقيق الوعد الالهي.. وهذا هو وجه التناقض مع اتباع الطائفة الانجيلية.. وقد سعى “هرتزل” الى الاتفاق معهم وجمع اليهود في مكان واحد ليكون هذا الاتفاق هو الشرارة الأولى التي مهدت الطريق لتأسيس الكيان الاسرائيلي ودعمه وحمايته.

 

لذلك، فإن اصل المشروع مسيحي بحت تبنته الحركة الانجيلية في أوروبا وأمريكا لتصبح لاحقا من أهم الحركات المسيحية تاثيراً على صناع القرار في الساحة الدولية، ولعل اعتناق اغلب رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية المتعاقبين العقيدة الإنجيليّة أسهم بشكل واضح في تأسيس وتطوير الحركة الصهيونية أضف إلى ذلك سيطرة العديد من المسؤولين في الإدارة الأمريكية المنتمين إلى تيار المسيحية الصهيونية عزز الدعم للكيان وساعد في تنامي نفوذ اللوبي اليهودي وقدرته الفاعلة في صنع القرار السياسي في الولايات المتحدة والعالم… بل وتحكمه في انتخاب الرئيس الامريكي واعضاء الكونغرس بشقيه (مجلس النواب ومجلس الشيوخ) وبسط سيطرته على المؤسسات الاقتصادية والاعلامية داخل الولايات المتحدة الأمريكية وخارجها وإثر بشكل كبير في السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط.

 

ومما لاشك فيه أن الامر لم يكن مجرد استخدام العقيدة الدينية كغطاء.. بل عقيدة راسخة تؤمن بأن اسرائيل تعد بوابة الرب ودعمها واجب مقدس وهو ماظهرت ملامحه في قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عندما وافق على نقل السفارة الأمريكية الى القدس وسط مباركة انجيلية معلنة بررت ذلك الفعل بنبوءات التوراة القديمة. بالرغم من العداء الكبير والتاريخي بين اليهود والمسيحين وهو امرٌ جعل العديد من الحاخامات يعتقدون انهم اصبحوا أداة بيد المسيحيين لتنفيذ هذا المشروع… ولايزال الجدل قائما داخل اسرائيل في هذا الشأن… إلا أن وجود المتطرفين داخل الكيان وطموحاتهم اللامتناهية دفعت بتجاه تحالف بين الطرفين سمي (التحالف المقدس).

 

من هنا ؛ فإن الدعم المطلق للكيان الصهيوني من قبل الإدارة الأمريكية والدول الغربية يرتكز على العقيدة الدينية وان جوهر الصراع ذات بعد ديني بحت وحلم التأسيس لدولة الصهاينة هو حلم اشتركت به كل القوى المهيمنة على السياسة العالمية.

 

من جانب ذي صلة ؛ فإن ابرام معاهدات التطبيع او معاهدات “ابراهام” او صفقة القرن ماهي إلا مقدمات لاقامة هذا الكيان المتمدد (دولة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات).. وأن إشعال الحروب وإفتعال الازمات في منطقة الشرق الأوسط تعد وسيلة لتحقيق أهداف الوطن الصهيوني المنشود… وأن من يصدق الوعود الامريكية الخاصة بالامن والاستقرار الإقليمي والدولي فهو لايدرك حقيقة أبعاد هذا المخطط المشؤوم… وخير دليل على ذلك العدوان الإسرائيلي الاخير على دولة قطر التي لم تدّخر جهدا في سبيل تحقيق سياسات الولايات المتحدة الأمريكية ومساعدتها على تجاوز التحديات التي تواجهها في منطقة الشرق الأوسط، ومع ذلك تجاوزت اسرائيل كل الخطوط الحمراء بالتواطؤ مع الإدارة الأمريكية لتوسيع دائرة العدوان على الرغم من وجود الاتفاقيات الأمنية والعسكرية واستثمار الأموال الطائلة من قبل دول مجلس التعاون الخليجي بحجة صد الخطر الإيراني الذي روجت له دول الاستكبار العالمي منذ عقود لكن ماحصل أن الخطر الحقيقي لم يأت من الجارة ايران إنما أتى من الكيان الإرهابي الحليف الأزلي للولايات المتحدة والغرب.

 

أن ماحصل ويحصل في المنطقة يعد رسالة واضحة نحو خطورة القادم المتمثل بالهيمنة المطلقة لامريكا واسرائيل على المنطقة وأن كل الأموال المدفوعة لحماية تلك الدول ماهو الا وهم وخديعة.. وأن ملامح المشروع الاستعماري اتضحت ملامحه بشكل واضح لايحمل الغبار في ملامحه… وأن أكذوبة الخطر الإيراني وتوجيه بوصلة الصراع العربي الإسرائيلي نحو الصراع العربي الإيراني الذي غرسته دول الاستكبار في ذهنية المتلقي منذ عقود ومحاولة شيطنة ايران قد تهاوت بفعل الغطرسة الصهيونية المستمرة على دول المنطقة بشكل عام.

إن وجود القواعد العسكرية الامريكية الكبيرة في المنطقة لايحمل الا معنى واحد مفاده السعي الحثيث لتنفيذ المشروع الاستعماري الخطير الذي لن تنجو منه دول الإقليم وهو أمرا حتمي لا مفر منه مهما كان حجم الرضوخ والتنازل والولاء الذي تقدمه دول المنطقة لامريكا والكيان الصهيوني الحالم نحو إقامة دولة اسرائيل الكبرى وهذا ما أعلنه النتن ياهو بسعيه لأقامتها مهما بلغت حجم التحديات والمخاطر فلا حصانة لأي دوله أو جماعة تقف امام طموحاته المريضة ومن هنا بات لزاماً على جميع الدول في الأقليم العمل على إقامة منظومة عمل أمني مشتركة والتنسيق المستمر للوقاية مما يدبر لهم في الخفاء والعلن من مشاريع ومخططات تقسيمية واستعمارية وترك الخلافات والنزاعات قبل فوات الأوان.

د. سلام عودة المالكي