نبيل السعيدي ✍️
في السياسة تتصافح الأيدي، غير أن الأمم لا تُوزَن بما عُقد من مصافحات، بل بما صانته من ذاكرةٍ في ساعات المحنة. وما بين بغداد وواشنطن ليست مجرد مسافةٍ تعبرها الطائرات، وإنما هو بُعدٌ تصنعه المواقف؛ فحين كانت الأرض العراقية تتشقق تحت وطأة الفوضى، لم يكن العراقيون يبحثون عن الخطب الرنانة، بل عن يدٍ تمتد إليهم في زمن الانكسار. وكان حريًّا بالرئيس العراقي السيد علي الزيدي، وهو يقف في عاصمة القرار الأمريكي، أن يستحضر حقيقةً لا يغفل عنها التاريخ، وهي أن الماضي ليس صفحةً تُطوى متى شاء الساسة، بل هو ذاكرة الشعوب، وضميرها الذي يحرس هويتها من عبث النسيان. فالأمم التي تتنكر لماضيها، إنما تفرّط بالأساس الذي تقوم عليه كرامتها. وحين اجتاح تنظيم داعش مدن العراق، لم يكن الناس يسألون عن خرائط المصالح الدولية، ولا عن توازنات القوى، بل كانوا يتطلعون إلى من يقف معهم في تلك اللحظة التي بدا فيها الوطن على حافة السقوط. وفي خضم تلك الأيام العصيبة، ارتسمت في وجدان العراقيين صورة رجالٍ نزلوا إلى ساحات المواجهة قبل أن يعتلوا المنابر، فارتبطت أسماؤهم بالدفاع عن الأرض والمقدسات والناس، وفي مقدمتهم الشهيد القائد الحاج قاسم سليماني، والشهيد القائد أبو مهدي المهندس، إلى جانب آلاف المقاتلين الذين رأى فيهم كثير من العراقيين سندًا حقيقيًا في مواجهة أخطر تهديد عرفه البلد في تاريخه الحديث. وهذه حقيقةٌ سياسية وتاريخية تبقى محل تقدير لدى كثيرين، مهما اختلفت القراءات أو تبدلت التحالفات. وفي المقابل، لا يزال كثير من العراقيين يطرحون أسئلةً مشروعة عن حدود الدور الأمريكي في تلك المرحلة: هل كان بالحجم الذي استوجبه الخطر؟ أم أن تدخله جاء بعد أن دفعت البلاد أثمانًا باهظة؟ وهي أسئلة لا تنطلق من روح الخصومة، بقدر ما تنبع من حق الشعوب في أن تعرف من وقف معها ساعة الشدة، ومن تأخر حتى كادت النار تأتي على كل شيء. ومن هنا يبرز سؤالٌ يتعلق باتساق المواقف؛ فكيف لمن وقف يومًا في مراسم تشييع الشهيد علي الخامنئي، وأظهر له مظاهر الاحترام، ان يصافح يد قاتله وقاتل الشهيد حاج قاسم والشهيد حاج ابو مهدي ؟ وكيف أن يتحدث اليوم عن الماضي وكأنه تفصيلٌ لا يستحق الالتفات إليه؟ إن المسألة ليست دفاعًا عن شخص، ولا اعتراضًا على خيارٍ سياسي، وإنما هي سؤالٌ أخلاقي عن انسجام الإنسان مع ذاكرته؛ إذ قد تتغير السياسات، وتتبدل العلاقات، لكن الوفاء للتاريخ لا ينبغي أن يكون أول ما يُضحّى به على موائد المصالح. إن التاريخ لا يُمحى بتصريح، ولا تُختزل تضحيات الرجال في عبارةٍ عابرة تُقال أمام عدسات الإعلام. فالذاكرة الجمعية لا تُدار بمنطق المؤتمرات الصحفية، وإنما بما استقر في ضمير الشعوب من مواقفٍ صنعتها الدماء والتضحيات. ولعل أبلغ ما يُقال في مثل هذه اللحظات أن الوفاء لا يناقض الحوار، كما أن الانفتاح لا يستلزم التنكر للماضي. فالسياسة قد تفرض المصافحة، لكنها لا ينبغي أن تنتزع من الضمير ذاكرته. ومن حافظ على ذاكرته، حافظ على احترامه لنفسه قبل أن يحافظ على احترام الآخرين له. فالأمم لا تفقد مكانتها حين تخسر معركةً عابرة، وإنما تفقدها حين تخسر ذاكرتها؛ لأن الذاكرة ليست روايةً عن الماضي فحسب، بل هي البوصلة التي تهديها إلى مستقبلٍ لا يخجل من تاريخه، ولا يتنكر لمن كتب صفحاته بدمه.