أمن الضاحية أو لا أمن لأحد، هذا ما قررته فصائل المقاومة الإسلامية في العراق، في تطور واضح لمجريات الأحداث التي تشهدها المنطقة إثر العدوان الصهيو أمريكي على الجمهورية الإسلامية الإيرانية. وإذا أمعنا النظر في هذا الأمر وحللنا معادلة الأمن الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط نجد أن طرح هذه المعادلة هو جزء من استراتيجية الأمن القومي لمحور المقاومة في ظل الحرب الدائرة اليوم وأن آمن الجميع جزء لا يتجزأ من أمن دول المنطقة، فالكيان ومن خلفه الولايات المتحدة الأمريكية يشنان هجماتهما على جميع الدول، ويستخدم الكيان سياسة “قضم الأرض”، وهي استراتيجية تهدف للتوسع والسيطرة والإبادة تدريجياً، كان بدأها في فلسطين انطلاقًا من توسيع المستوطنات وتهجير السكان وتنفيذ عمليات الهدم والتدمير والقتل، واليوم يستهدف دول المنطقة الواحدة تلو الأخرى. فبعد فلسطين والدمار الكبير الذي وقع فيها عاد ليهاجم لبنان في عدوان مستمر ومدمر مع احتلال أراضي في الجنوب، ومن ثم اتجه إلى سوريا واحتل مساحات واسعة منها، ومن ثم شن حربا على إيران استمرت ١٢ يوما بمشاركة الولايات المتحدة. ولم تكتف إسرائيل بذلك بل أعلنت سعيها لتنفيذ مشروع دولتها الكبرى وتغيير خريطة الشرق الأوسط بدعم ومباركة أمريكيه واضحة وصريحة.
إننا نقف أمام حقيقة لا جدال فيها أن ما يخطط له في دهاليز الغرف المظلمة للصهيونية العالمية هو ببساطة شرق أوسط جديد وسيطرة مطلقة على مقدرات الدول وإعادة ترسيم حدودها مع تغيير جيوسياسي جذري للمنطقة وتنصيب أنظمة خاضعة لها. ولذا بات حتميا على أطراف محور المقاومة أن تقف صفا واحداً لمواجهة العدوان والتحديات القادمة في ظل هذه الظروف الراهنة، لأن بعد إيران لا وجود لأي رفض أو مقاومة لمخططات الصهيونية، بل سيكون الطريق سالكا لتحقيق حلم بني صهيون. فإسرائيل لا تسعى للسلام أو التهدئة مع دول المنطقة وتعد وجود محور المقاومة عقبة رئيسة أمام عملية تحقيق أهداف مشروعها، وبالتزامن مع ذلك تعمل الولايات المتحدة الأمريكية على إيجاد حل للوضع بالمنطقة انطلاقًا من تدمير مقدرات الدول وإضعافها وضمان عدم وجود أي قوة عسكرية يمكن أن تهدد مصالحها أو تهدد أمن حليفتها إسرائيل التي على ما يبدو تحاول ان تسلمها إدارة ملف المنطقة لكي تتفرغ الولايات المتحدة الأمريكية للصراع الكبير مع الصين لزعامة العالم اقتصاديا وتكنولوجيا ويبدو التحدي الأكبر بين هاتين القوتين بارزا في منطقة البحر الكاريبي وقارة أمريكا اللاتينية.
إن تصاعد بعض الأصوات المطالبة بضرورة التزام الحياد واستخدام الطرق الدبلوماسية وتهدئة الأوضاع في المنطقة سواء من داخل العراق أو خارجه ينم عن قصور في إدراك أبعاد هذه الأزمة شديدة الْخَطَر وتداعياتها على الساحة الدولية والإقليمية ولا يلتفت لحجم التحديات الكبيرة التي تواجه المنطقة والعالم.
إن من يريد التفاهم مع الإدارة الأمريكية من أجل تجنب أثار الحرب وأضرارها ويستخدم سياسة النأي بالنفس عليه أن يجيبنا على التساؤلات الجوهرية الآتية: هل تضمنون بأن ترامب وساسة البيت الأبيض لن يفرضوا عقوبات اقتصادية وسياسية عليكم مستقبلاً لأي سبب كان؟ هل سيتوقفون عن رفض اي مرشح لرئاسة الحكومة لا يتماشى مع مصالحهم؟ هل يمكن للعراق أن يتحرر من سياسات أمريكا الاقتصادية التي فرضتها على العراق وجعلت منه بلدا مستهلكاً اقتصاديا دون اي قدره على تحقيق التنمية فيه؟ هل يمكن تخيل وجود سفير أمريكي لا يتدخل في سن القوانين والتشريعات؟ بل هل يمكن عقد أي اتفاقية مع الصين أو روسيا في أي مجال دون موافقة الولايات المتحدة؟ ومن يضمن لنا عدم حل الحشد الشعبي؟ وهل يمكن تسليح الجيش بدفاعات جوية قادرة على حماية اجواء العراق وضمان عدم انتهاك سيادته ؟ من سيقول لهم إننا لن ندعم دولاً في المنطقة صديقة للولايات المتحدة اقتصادياً؟ من سيحرّر العملة الوطنية من هيمنة الدولار الأمريكي ومن سيعيد للعراق احتياطي العملات في البنك الفيدرالي الأمريكي ؟ وإذا أردنا الاستمرار في عد كل ما تريده الولايات المتحدة من العراق فلا يكفي مقال لذلك بل نحتاج إلى مؤلفات! عذراً منكم أيها القابضون على السلطة: أعرف جيدا ما هي مغرَيات السلطة والنفوذ السياسي وإمبراطوريات المال بالنسبة لكم، لكن أمريكا لن تبقي منكم أحدا لأنه ببساطة مشروع كبير لستم جزءا منه.
إننا لا ندافع عن الجمهورية الإسلامية في إيران إطلاقا، فهي ليست بحاجة لأحد يدافع عنها، فهي تعمل بتصور مخطط له ومحسوب ومعد له من قبل القائد الشهيد رضوان الله عليه ورفاقه، لكننا نحلل لكم ما هو مخطط لكم وما يجري في المنطقة وقد أدركت فصائل المقاومة الإسلامية هذه المشروعات وأعلنت عن موقفها في الدفاع عن الأرض والشرف والدين لأننا في خضم معركة دامية دينية بامتياز ، قد تطول لسنوات، فهي ليست مجرد معركة لتغيير نظام أو التحكم بأسواق الطاقة أو تأمين حدود، إنه صراع عقائدي أزلي منذ خروج اليهود من فلسطين منبوذين في أصقاع الأرض يعيشون الشتات والذل والضعف، ولذلك فعودتهم لأرض المعاد هي نبوءة توراتية وبشارة من أسفارهم وتعاليم حاخاماتهم ولتحقيقها وظهور مسيحهم يجب تدمير المنطقة وإبادة شعوبها وهذا ما يتماهى مع عقيدة الإنجيليين في أمريكا في تحقيق نبوءة الكتاب المقدس بوقوع “معركة هرمجدون” التي يمهدون لقيامها من أجل نهاية العالم وسيادتهم عليه كما يزعمون.
قال تعالى في محكم كتابه:(وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا، فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ ۚ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا).
د. سلام عودة المالكي