بين المادية وكربلاء..

شارك القصة

بين المادية وكربلاء..
بين المادية وكربلاء..
الخط

مازن الولائي

قراءة في ثمن الصمود وضريبة الانتصار..

لا أحد يجرؤ على القول إن الثمن الذي تدفعه الأمة اليوم غير باهظ، أو أن ما جرى من أحداث جسام قد مرّ دون “أثمان نفسية وروحية واجتماعية عميقة”. إن فقدان القادة الكبار، كوكبة الثبات التي صقلتها يد النوائب، وعجنتها التجارب، وتراكمت لديهم الخبرات حتى شيدوا هذا ‘الصرح الإلهي’ العظيم، هو خسارة لا تُقاس بموازين الأرقام، بل بموازين الأرواح التي ترى في هؤلاء القادة تجلياً لمنظومة كاملة من القيم.

أمام هذا الواقع المزدحم بالتحديات، يجد العقل الإنساني نفسه أمام قراءتين لا ثالث لهما، وطريقين يحددان وجهة النظر والعمل:

أولاً: القراءة أو النظرة المادية!
وهي أن نعتبر “دولة الفقيه” – بكل ما زخرت به من متبنيات عقائدية ودينية – دولةً حالها كحال بقية الدول، تبحث عن وجود لها في “سوق الماديات” والتوازنات الدولية. وفي هذا المنطق المادي، تخضع الدول لقوانين الطبيعة البشرية، تنجح مرة، وتنهزم أخرى، وقد تتلاشى في نهاية المطاف إذا ما اختلت موازين القوى. من يختار هذا الطريق سيعيش رهين القلق، وسيرى في كل تضحية “خسارة” محضة لا تعوض ومثل خسارة الخامنائي ولارجاني قد تنهيه!

ثانياً: القراءة الروحية أو معسكر كربلاء..
وهي الرؤية التي نتبناها ونؤمن بها؛ حيث لا تُفهم هذه الدولة وعظمتها وإبائها إلا لكونها نتاجاً خالصاً لـ “معسكر كربلاء”. ذلك المعسكر الذي طفت فيه أنوار الشخوص العظيمة، وعلى رأسهم الإمام الحسين (عليه السلام) وأهل بيته.

إن المتأمل السطحي قد يرى في كربلاء – بالمقاييس المادية – نهايةً للأمل، وحسبك بخسارة الحسين (عليه السلام) حَدَثاً يظن البعض أنه لا قيام بعده. لكن النظر بإمعان في النتائج التاريخية والروحية يغير هذا الاعتقاد جذرياً؛ إذ يدرك الإنسان أن هذا المعسكر لا يعرف الهزيمة وخسارته ليست على قارعة الطريق، بل هي جولات تصقل الإرادة وتعبد طريق النصر النهائي.

الثورة التي بين أيدينا أعطت شطآن من الدماء واليقين إن هذه الثورة الإسلامية المباركة، التي شقت طريقها وسط أمواج عاتية، قد جادت بدماء المراجع الأعلام، وأهل العلم الأفاضل، والمجاهدين الصادقين، لتبقى قضية دينية اعتقادية خالصة لوجه الله الكريم.

إن ثورة بهذا الحجم بقيادة “روح الله” الخُميني العزيز، وحكمة “الخامنائي” المفدى، وكل ما دار في فلك هذا الحق، هي مسيرة لا تخشى شيئاً مطلقاً. هي مشروع تجاوز حدود الجغرافيا السياسية ليدخل في عمق التاريخ الإنساني كجبهة “للدفاع المقدس” عن حاكمية الإسلام وقيم “النبيين”.

إخوتي إن معركتنا اليوم ليست ميدانية فحسب، بل هي معركة وعي وفكر. ومن هنا، تبرز أهمية “السواتر الثقافية” التي نحشد فيها الكلمة والمنطق، لتكون دفاعاً عن هذا المحور المبارك. إننا “خامنائيون” وإن رحل الجسد، لأن النهج باقٍ، والروح التي صاغت هذا الصرح لا تموت، والوعد الإلهي بالتمكين للمستضعفين هو البوصلة التي لن تحيد.

٢٨ شهر رمضان المبارك ١٤٤٧هجري.
٢٧ اسفند ١٤٠٤ش
٢٠٢٦/٣/١٨م