ثالوث الظلام: كيف تُدار السياسة في البيت الأبيض

شارك القصة

ثالوث الظلام: كيف تُدار السياسة في البيت الأبيض
ثالوث الظلام: كيف تُدار السياسة في البيت الأبيض
الخط

بقلم: د. سلام عودة المالكي


في المشهد السياسي المعاصر، لا تُكتب فصول السياسة الخارجية الأمريكية في “الغرفة البيضاوية” فقط، بل تُصاغ أبجديتها في “غرف الظلال” حيث يلتقي المال المعمّد بالنفط، والبارود المغلف بالقداسة. إننا لسنا أمام دولة تُدار بمؤسسات ديمقراطية تقليدية، بل أمام “أوليغارشية إمبراطورية” يحركها تحالف مشؤوم، يربط بين مصالح شركات السلاح العابرة للقارات، وأباطرة الطاقة الذين يرون في خرائط الشرق الأوسط مجرد أنابيب للتدفق، وصولاً إلى التيار الصهيوني المسيحي الذي يمنح هذه المصالح المادية صكاً إلهياً وشرعية نبوئية.

إن هذا المثلث ليس مجرد مراكز قوى، بل هو “العقل الباطن” للدولة العميقة، الذي حوّل واشنطن إلى خادم استراتيجي لهذا المشروع، وجعل من المنطقة ساحة استنزاف كبرى، تُقاس فيها كفاءة القرار بمقدار ما يحققه من أرباح لشركات “لوكهيد مارتن” و”إكسون موبيل”، وبمدى تقاربه مع أوهام “هرمجدون” السياسية.

إن السلام في نظر هذا التحالف المشؤوم هو “ركود اقتصادي” غير مقبول؛ فالهدوء يعني تراجع أسعار الأسهم في “وول ستريت”. ثم أن الحرب ليست مجرد خيار سياسي، بل هي “نموذج عمل” مستدام. إنهم يحتاجون دائماً إلى عدو خلف الأفق لتبرير ميزانيات الدفاع التي تلامس حاجز التريليون دولار، وهنا تلتقي مصلحتهم مع الضلع الثاني المتمثل في كارتيلات النفط. فالنفط هو الدم الذي يجري في عروق الهيمنة الدولارية، والسيطرة على منابعه في الشرق الأوسط هي الضمانة لبقاء الولايات المتحدة قطباً أوحد. فالسياسة هنا تُكتب بـ”الحبر الأسود”، حيث تُرسَم الخرائط بناءً على مسارات الأنابيب وحقول الغاز والمضائق الحيوية، وفق مبدأ “الأمن مقابل الهيمنة”؛ حيث تُشن الحروب تحت “شعارات واهية” بينما الهدف الحقيقي هو تأمين السيطرة على تدفق الطاقة ومنع أي قوى دولية -مثل الصين- من الحصول على موطئ قدم.

ولكي يكتمل هذا التحالف، كان لا بد من “عضلة عقائدية” تمنح المصالح المادية غطاءً مقدساً، وهنا تبرز الصهيونية المسيحية. إن هذا التيار لا يدعم إسرائيل حباً في اليهود، بل تنفيذاً لرؤية لاهوتية ترى في قيام “الدولة” وتوسعها ضرورة لتحقق نبوءات آخر الزمان “الراديكالية العقائدية”. إن هذا الغطاء الديني يحول القرارات السياسية البراغماتية إلى “واجبات إلهية” يصعب الاعتراض عليها، مما يخلق كتلة تصويتية جبارة تجعل أي مرشح للبيت الأبيض رهينة لهذا المَدّ الأيديولوجي المتطرف.

وفي قلب هذا المشهد، تبرز إسرائيل ليس كدولة ذات سيادة أو حليف سياسي مقدس فحسب، بل كـ”حاملة طائرات برية” و”قاعدة عسكرية” متقدمة لا غنى عنها. إنها تؤدي وظيفة استراتيجية محددة؛ “شرطي المنطقة” أو “الكلب المسعور” الذي يحمي مصالح الإمبراطورية -ثالوث الظلام- ويقوم بالمهام القذرة نيابة عنها، ويضمن بقاء المنطقة في حالة استنزاف دائم. ويتم ضمان ولاء هذه المنظومة عبر اللوبيات الجبارة مثل “أيباك”، التي تضخ مئات الملايين في عصب الانتخابات الأمريكية لشراء الصمت وهندسة الولاء المطلق داخل الكونغرس، مما يجعل السياسة الخارجية الأمريكية تسير في اتجاه واحد لا رجعة فيه.

إن هذا التحالف بين “الرصاص والوقود والنبوءة” يمثل ذروة التوحش الميكافيلي؛ حيث تحولت الولايات المتحدة من “جمهورية” إلى “شركة حماية” دولية، تزرع القواعد العسكرية كخناجر في خاصرة الجغرافيا لتضمن تدفق الثروات ومنع أي نهضة سيادية حقيقية.

ومع اقتراب كل دورة انتخابية، يتضح أن الوعود بحقوق الإنسان ليست سوى “مكياج سياسي” يخفي خلفه وجه الوحش الذي لا يشبع من دماء الحروب. إن إسرائيل في هذا المنظور هي “وظيفة استعمارية” متطورة، وجزء عضوي من منظومة تقتات على بقاء العالم في حالة غليان.

إن “ثالوث الظلام” يدرك أن بقاء إمبراطوريته مرهون ببقاء الشرق الأوسط في حالة من الفوضى المنظمة والاستنزاف الدائم. وفي نهاية المطاف، يبقى البيت الأبيض هو المسرح، بينما المخرجون الحقيقيون هم من يملكون مفاتيح الخزائن، ومستودعات السلاح، وصكوك العقيدة الزائفة.

وفي النهاية، يبقى السؤال الاستراتيجي الأهم:
إلى متى يمكن لهذا التحالف أن يحافظ على توازنه فوق أشلاء الشعوب؟ إن التاريخ يخبرنا أن الإمبراطوريات التي تُبنى على تحالفات “الموت والنهب” تنتهي دائماً من حيث بدأت، في رماد حرائقها الخاصة.