سراب الاتفاقيات: حين تمسي المؤسسات العسكرية العراقية أهدافاً مكشوفة للنيران الأمريكية

شارك القصة

سراب الاتفاقيات: حين تمسي المؤسسات العسكرية العراقية أهدافاً مكشوفة للنيران الأمريكية
سراب الاتفاقيات: حين تمسي المؤسسات العسكرية العراقية أهدافاً مكشوفة للنيران الأمريكية
الخط

 

يمر العراق بمنعطف سيادي حاسم أثبتت فيه الوقائع الميدانية زيف الوعود المضمنة في الاتفاقيات الأمنية مع الولايات المتحدة الأمريكية. لم تعد الضربات الجوية الأمريكية التي تستهدف العمق العراقي مجرد “خروقات أمنية” عابرة، بل تحولت إلى شهادة وفاة رسمية للمنظومة التعاقدية التي ربطت بغداد بواشنطن منذ عام 2008.

إن ما حدث مؤخراً من استهداف مباشر لقطعات الجيش العراقي والحشد الشعبي في “الحبانية” ومناطق أخرى، يضع الدولة أمام حقيقة مُرّة، مفادها أن “الشريك الاستراتيجي” تحول إلى تهديد سيادي يستخدم الاتفاقيات غطاءً لتصفية الحسابات الإقليمية. وهذا ما يفرض على الدولة العراقية إنهاء هذا الارتهان فوراً والانتقال نحو بناء منظومة دفاعية وطنية مستقلة قادرة على حماية الأرض والجو والقرار السياسي.

*سلسلة الاستهداف الممنهج: الأرقام والتواريخ*

تثبت لغة الأرقام أن الاستهداف الأمريكي لم يكن “رد فعل” لحظي، بل استراتيجية ثابتة لتقويض المؤسسة العسكرية الرسمية:
– 29 كانون الأول 2019: نفذت القوات الأمريكية غارات جوية وصفتها بـ “الدقيقة” استهدفت 5 مواقع تابعة (اللواءين 45 و46) في مدينة القائم، أسفر العدوان عن استشهاد 25 مقاتلاً وإصابة أكثر من 50 آخرين.
– آب 2020: وقوع انفجار ضخم في معسكر “صقر” جنوبي بغداد (يضم مستودعات عتاد للشرطة الاتحادية والحشد الشعبي).
– 20 آب 2020: انفجار مستودعات الأسلحة في قاعدة “بلد” الجوية بمحافظة صلاح الدين.
– 25 آب 2020: استهداف مركبتين تابعتين للواء 45 حشد شعبي في مدينة القائم، ما أدى لاستشهاد أحد قيادي الحشد الشعبي وإصابة آخرين. اعتبرت هيئة الحشد هذا الهجوم “إعلاناً للحرب” وحملت الولايات المتحدة المسؤولية الكاملة باعتبارها المسيطرة على الأجواء العراقية.
– 28 يونيو 2021: ضربات جوية استهدفت مرافق تشغيل وتخزين أسلحة في موقعين قرب الحدود السورية، مما أدى لاستشهاد 4 منتسبين من الحشد.
– 22 نوفمبر 2023: قصف أمريكي استهدف منشأتين ومخازن أسلحة في منطقة جرف النصر ومواقع في أبو غريب، مما أسفر عن سقوط 8 شهداء من الحشد.
– فبراير 2024: اغتيال قيادات في قلب العاصمة بغداد، في خرق فاضح لبنود “السيادة” المزعومة في اتفاقية الإطار الاستراتيجي.
– يناير 2024: استهداف مقرات الحشد الشعبي في بابل والأنبار، أسفر عن استشهاد منتسبين.
– مارس 2026 (التصعيد الأخير): استهداف منشآت تابعة للجيش العراقي الرسمي في الأنبار (الحبانية) وغيرها من المدن الأخرى، ما أدى إلى استشهاد أكثر من ثمانين منتسباً وجرح قرابة المائتين، إضافةً إلى تدمير بنى تحتية عسكرية رسمية وتجهيزات فنية.

*فخ “الاتفاقية الإطارية” وعقيدة الارتهان*

إن استهداف الجيش العراقي تحديداً يمثل رصاصة الرحمة على ادعاءات “الدعم والتدريب” والدور الاستشاري، فواشنطن لم تكتفِ بالتواطؤ في منع الخروقات الإسرائيلية المتكررة للأجواء العراقية، بل ذهبت إلى تحويل سلاحها نحو قوات الجيش التي تدعي أنه شريك لها. وهذا يثبت أن الاتفاقية صُممت لضمان “ضعف مسيطر عليه” للجيش العراقي، ومنعه من امتلاك منظومات ردع مستقلة.

*التضليل القانوني: الحشد الشعبي والمقاومة*

تعتمد واشنطن “خديعة المصطلحات” لتبرير ضرباتها؛ فبينما تقر القوانين العراقية (قانون رقم 40 لسنة 2016) بأن الحشد الشعبي مؤسسة رسمية مرتبطة بالدولة، تحاول الإدارة الأمريكية دمجها عمداً مع فصائل المقاومة الإسلامية التي “تعبر عن موقف وطني وعقائدي أصيل” لتبرير هجماتها دولياً. هذا الخلط المتعمد يهدف لضرب شرعية المؤسسة الأمنية العراقية وتفتيت قوتها التي دحرت الإرهاب الداعشي.وهو امراً طالما حذرنا منه مراراً، أن الاتفاقيات مع الولايات المتحدة لن تحمي مؤسساتنا العسكرية، لا بل ستجعلها أهدافاً مكشوفة. وما إصرارها على حل الحشد الشعبي إلا دليل واضح على عدوانها المستمر.

*الأجندة الخفية: حماية الصهيونية وضرب الجوار الجغرافي*

بات واضحاً أن التواجد الأمريكي يخدم مسارين لا علاقة لهما بأمن العراق:
– المسار الصهيوني: منع العراق من بناء منظومة دفاع جوي متطورة لتبقى سماؤه ممراً آمناً للطائرات الإسرائيلية.
– المسار الإقليمي: تحويل القواعد العراقية إلى منصات استطلاع وهجوم ضد الجمهورية الإسلامية في إيران، مما يزج بالعراق في أتون حرب فرضتها الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي لتدمير العراق وإيران معاً.

*خارطة الطريق: “التعددية القطبية” أو الانهيار السيادي*

إن استمرار الرهان على الولايات المتحدة هو “انتحار استراتيجي”. والحل يكمن في تحرك وطني عاجل يتضمن:

– الإلغاء الفوري لكافة الاتفاقيات الأمنية التي أثبتت عدم جدواها في حماية السيادة.
– عقد صفقات تسليح فورية مع أقطاب دولية (روسيا، الصين، فرنسا) لتجهيز منظومات (S-400 أو ما يماثلها) لكسر الاحتكار الجوي الأمريكي.
– توحيد العقيدة العسكرية بين الجيش والحشد والشرطة وباقي القوات المسلحة تحت راية “أمن العراق أولاً”، والرد بحزم على أي عدوان خارجي يستهدف السيادة.
– بناء استراتيجية دفاع وطني بالاشتراك مع فصائل المقاومة الإسلامية التي أثبتت صحة رؤيتها في رفض التواجد العسكري الأمريكي في العراق وكشفت عن حقيقة المخططات الخبيثة للكيان المجرم.

*خاتمة: السيادة لا تستجدى*

إن الدفاع عن سيادة العراق هو اختبار للإرادة الوطنية. لقد أثبتت الأيام أن الوعود الأمريكية لم تجلب إلا استباحة الأجواء وضرب المؤسسات الرسمية. فبات إنهاء هذه الاتفاقيات ليس مجرد خيار سياسي، بل ضرورة وجودية لمنع تحول العراق إلى ساحة محترقة لخدمة مشاريع “الصهيونية العالمية”. السيادة تُنتزع ببناء القوة الذاتية وتنويع التحالفات، وليس بالركون لاتفاقيات تُخرق جهاراً نهاراً.

إن استمرار التواجد الأمريكي في العراق بات عبئاً استراتيجياً يهدد وجود الدولة. إن حماية العراق من الخروقات الإسرائيلية والاغتيالات الأمريكية لن تتم عبر “التوسل الدبلوماسي”، بل عبر إنهاء التبعية العسكرية وبناء قوة وطنية ضاربة. إن العراق القوي هو الذي يدير علاقاته بتوازن وندية، ولا يسمح بأن تكون أرضه منطلقاً للعدوان أو ساحة مستباحة لأي قوى خارجية مهما كانت مبرراتها.