سلاسل السيادة: القواعد العسكرية الأمريكية من ثكنات “الحماية” إلى مخافر الاستعمار الحديث

شارك القصة

سلاسل السيادة: القواعد العسكرية الأمريكية من ثكنات “الحماية” إلى مخافر الاستعمار الحديث
سلاسل السيادة: القواعد العسكرية الأمريكية من ثكنات “الحماية” إلى مخافر الاستعمار الحديث
الخط

لم تكن القواعد العسكرية العابرة للحدود مجرد صدفة تاريخية، بل هي نتاج عقيدة “التمدد الكوني” والتطويق الاستراتيجي التي تبنتها واشنطن منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فتاريخياً، ورثت الولايات المتحدة “الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس” من بريطانيا، لكنها طورتها بأسلوب “النقاط الارتكازية”.

*إستراتيجياً: تطور مفهوم القاعدة*

تطور مفهوم القاعدة من “حصن للدفاع” إلى “منصة رقمية”. وهي استراتيجية تعتمد على نشر نقاط صغيرة وفعالة تقنياً واستخباراتياً تسمح للبنتاغون بالتدخل السريع في أي بقعة بالعالم خلال ساعات. هذا التغلغل حول الجغرافيا العالمية إلى “رقعة شطرنج” أمريكية، حيث لا تُقاس قوة القاعدة بعدد جنودها بل بقدرتها على شلّ حركة الخصوم والحلفاء، واختزال السيادة الوطنية إلى بروتوكولات صورية.

*خريطة الارتهان: أسماء وأرقام القواعد في المنطقة (بيانات 2024-2025)*

تستضيف منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ما يقرب من 40,000 إلى 60,000 جندي أمريكي موزعين على شبكة معقدة من القواعد، أبرزها:
– قطر (مركز القيادة الجوية): قاعدة العديد الجوية: تضم أكثر من 11,000 جندي، وهي المقر الميداني للقيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM). تُعد “عقل” العمليات الجوية في المنطقة بأكملها.
– البحرين (السيادة البحرية): قاعدة الجفير (الجفير البحرية): تضم مقر الأسطول الخامس الأمريكي. يتحكم هذا الوجود في ممرات الطاقة العالمية (مضيق هرمز) ويجعل القرار البحري الإقليمي مرتهناً للرؤية الأمريكية.
– الكويت (الحشد البري الأكبر): تضم نحو 13,500 جندي يتوزعون في معسكر عريفجان وقاعدة علي السالم الجوية. تُعد الكويت منصة اللوجستيات الرئيسية للقوات البرية في المنطقة.
– الإمارات العربية المتحدة: قاعدة الظفرة الجوية: تضم نحو 5,000 جندي، وتُستخدم لإدارة عمليات الاستطلاع المتقدمة وطائرات التزويد بالوقود والدرونز.
– السعودية (دعم استراتيجي ولوجستي): ويبلغ عدد القوات الأميركية نحو 3000 عسكري.
– قاعدة الأمير سلطان الجوية (الخرج): المركز الأهم؛ تضم منظومات باتريوت و”ثاد” وطائرات مقاتلة.
– قرية الإسكان (الرياض): مقر سكني وعملياتي للمجموعات الجوية الأمريكية.
– تسهيلات لوجستية: في قواعد (الملك عبد العزيز بالظهران، الملك فهد بالطائف، وقاعدة تبوك).
– العراق (السيادة المخترقة): يتواجد قرابة 2,500 جندي (بصفة استشارية رسمياً) في قاعدة عين الأسد (الأنبار) سابقا، وقاعدة الحرير (أربيل). تعمل هذه القواعد كـ “كوابح” تمنع بغداد من بناء منظومات دفاع جوي مستقلة أو تنويع شركائها الاستراتيجيين.
– الأردن وسوريا: قاعدة “برج 22” (الأردن) وقاعدة “التنف” (سوريا): تقع في المثلث الحدودي الحيوي لقطع طرق الإمداد الإقليمية ومنع التكامل البري بين دول المنطقة.

*غرف العمليات المظلمة: محطات الـ (CIA)*

كدولة داخل الدولة داخل كل قاعدة، توجد “ثقوب سوداء” استخباراتية تديرها وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) ووكالة الأمن القومي (NSA). هذه المحطات ليست مكاتب تنسيق، بل هي “عقول إلكترونية” تمارس:
– التنصت السيادي: مراقبة الاتصالات الحكومية والعسكرية للدولة المضيفة لضمان عدم خروجها عن “الخطوط الحمراء”.
– إدارة الفوضى المبرمجة: استخدام القواعد كنقاط انطلاق لعمليات “الدرونز” السرية وتنفيذ مهام اغتيال دون علم أو موافقة الدولة المضيفة، مما يحول الأرض الوطنية إلى “منصة اعتداء” تضرب علاقات الدولة بجيرانها.

*شواهد حية: القواعد كأدوات “للي الذراع”*
– حادثة المطار (2020): نُفذت عملية اغتيال قادة عسكريين فوق أرض العراق انطلاقاً من معلومات وتنسيق داخل هذه القواعد، مما أثبت أن السيادة العراقية “منقوصة” أمام القرار الأمريكي المنفرد.
– أزمة “أوكيناوا” (اليابان): ارتكب جنود أمريكيون جرائم جنائية، لكن اتفاقيات (SOFA) منعت القضاء المحلي من محاكمتهم، وهو ما يتكرر في أغلب الدول المضيفة كنوع من “الحصانة فوق القانون”.
– الابتزاز الدفاعي: لوحت واشنطن مراراً بسحب منظومات “باتريوت” من دول خليجية للضغط عليها في ملفات إنتاج النفط، مما يثبت أن الحماية هي “خدمة مدفوعة الثمن بالسيادة”.

*البدائل الاستراتيجية: استعادة الإرادة*

إن الخروج من عباءة “الأمن المستورد” يتطلب:
– توطين التكنولوجيا السيادية: بناء صناعات دفاعية (مسيرات وأنظمة سيبرانية) محلية تنهي الاعتماد الكلي على البرمجيات الأمريكية.
– الأمن الإقليمي “خالٍ من الوسطاء”: بناء منظومة أمن جماعي (عراقية-خليجية-إقليمية) تعتمد على المصالح المشتركة لتصفير الذرائع الأمريكية للبقاء.
– مراجعة اتفاقيات (SOFA): فرض رقابة وطنية صارمة على تحركات الاستخبارات داخل القواعد وتحديد سقف زمني ملزم للانسحاب.

إن القواعد الأمريكية هي “حصان طروادة” العصر الحديث؛ تمنحك الأمان في الظاهر وتسرق قرارك في الباطن.

الاستمرار في هذا المسار لا ينتج إلا دولاً “كساحةعسكرية”مرتهنة سياسياً، وقلقة أمنياً. السيادة الوطنية الحقيقية تبدأ من اللحظة التي يدرك فيها صانع القرار أن “أمنك الذي يحميه غيرك.. هو سجنك الذي تسكنه.

د. سلام عودة المالكي