في أعقاب العدوان الأمريكي الذي انطلق منذ 28 فبراير حتى هذه اللحظة ، انتقلت الجمهورية الإسلامية الإيرانية من مرحلة “الصبر الاستراتيجي” إلى مرحلة “الدفاع النشط”. أذ لم يكن استهداف القواعد الأمريكية في دول الجوار مجرد رد فعل عسكريّ طارئ ، بل هو ضرورة استراتيجية وقانونية لتعطيل “غرف العمليات” التي أدارت القصف الممنهج ضد السيادة الإيرانية. وكذلك قراراً مصيرياً نحو تعطيل “منصات العدوان” التي انتهكت السيادة الإيرانية وتسببت باستشهاد المئات من المدنيين الأبرياء وخصوصاً الجريمة الوحشية التي طالت طالبات مدرسة ميناب ، فضلا عن استشهاد قائد الثورة الإسلامية السيد الشهيد علي الحسيني الخامنئي “رضوان الله تعالى عليه “.
أولاً: المرتكزات الاستراتيجية.. لماذا استُهدفت القواعد؟
تنطلق الرؤية الإيرانية من أن القوة الأمريكية في المنطقة تعتمد كلياً على “الجغرافيا الوظيفية” لدول الخليج. وان استهدافها يستند على ثلاثة أبعاد:
• تحييد “منصات الوثوب”: أثبتت المعطيات الميدانية أن طائرات F-35 و F-18 انطلقت من مدرجات قريبة جداً، هو أمر جعل استهدافها عملاً دفاعياً لقطع أذرع العدوان.
• شل “الدماغ العملياتي”: بضرب “مركز العمليات الجوية المشتركة” (CAOC)، سعت إيران لتعطيل التنسيق اللحظي بين الطائرات وأقمار التجسس التابعةللقيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM).
• تدفيع ثمن التسهيلات: إفهام العواصم الإقليمية أن “مظلة الحماية الأمريكية” أصبحت عنصرا يجلب الحرب إلى أراضيهم بطريقة مغناطيسية .ويجب ادراك حجم المجازفة التي اقدموا عليها.
ثانياً: مفهوم العمليات المشتركة (شبكة سنتكوم)
لا تعمل القواعد الأمريكية في الخليج بشكل منفصل، بل هي أجزاء من جسد واحد رأسه في تامبا بفلوريدا وعقله الميداني في قاعدة العديد بقطر.
الربط التكتيكي: ترتبط القواعد في السعودية، الإمارات، الكويت، والبحرين عبر شبكة اتصالات مؤمنة بالأقمار الصناعية، تتيح لـ (CENTCOM) توجيه طائرة تقلع من “الظفرة” باستخدام بيانات رادارية من “قاعدة الأمير سلطان” وتوجيه صواريخ من “الأسطول الخامس”.
وحدة القيادة: أي هجوم انطلق ضد إيران لم يكن بقرار من الدول المستضيفة، بل عبر تسلسل قيادي يبدأ من قائد (CENTCOM) وينفذ عبر غرف العمليات المشتركة داخل هذه الدول.
ثالثاً : القواعد الامريكية في الخليج .. العمق الاستراتيجي للعدوان
أن خريطة “مراكز التآمر” الأخرى (على وفق الوثائق الإيرانية التي قدمها مندوب إيران في الامم المتحدة ) تتمحور في الاتي :
• قاعدة العديد (قطر): “العقل المدبر”؛ حيث تم فيها اتخاذ قرارات القصف وتوجيه الطائرات المسيرة.
• قاعدة الظفرة (الإمارات): “العين الراصدة”؛ ومنها انطلقت طائرات الاستطلاع لتوفير إحداثيات الأهداف داخل إيران.
• قاعدة علي السالم (الكويت) تمركز القوات العسكرية الامريكية واللوجستية .
• الأسطول الخامس (البحرين): “الأذرع الضاربة”؛ التي وفرت الدعم اللوجستي والغطاء البحري.
• القواعد العسكرية في المملكة العربية السعودية حجر الزاوية في أي جهد عسكري أمريكي واسع النطاق، وهو أمر جعلها في مرمى الاستهداف الإيراني المباشر بناءً على الأدوار التالية:
قاعدة الأمير سلطان الجوية: تُصنفها طهران كـ “خزان القوة البديلة” ومركز التعزيز الجوي الرئيسي. وتعتبرها إيران بأنها القاعدة المسؤولة عن توفير الدعم التقني واللوجستي للطائرات القاذفة بعيدة المدى، وتوفير مظلة حماية رادارية واسعة سهلت اختراق الأجواء الإيرانية.
تسهيلات “السيادة المنقوصة”: تشير الوثائق الإيرانية إلى أن فتح المجال الجوي السعودي أمام المقاتلات الأمريكية القادمة من الغرب كان عاملاً حاسماً في نجاح موجات القصف الأولى، مما يضع المملكة في خانة “المسهّل العملياتي” المباشر للعدوان. محطات تزويد الطائرات العسكرية الأمريكية بالوقود وخصوصاً طائرات تزويد الوقود للمقاتلات الحربية.
رابعاً: الأدلة التقنية (بصمة الحلفاء: روسيا والصين)
عززت إيران روايتها بأدلة تقنية قاطعة وفرها الحلفاء الشرقيون:
• الرصد الروسي: قدمت موسكو بيانات الأقمار الصناعية التي رصدت بالثانية انطلاق المقاتلات من القواعد الخليجية والسعودية وتتبع مساراتها الهجومية.أضف الى بيانات تزويد الطائرات الأمريكية بالوقود من تلك القواعد،وهذا ما يوضح سبب اتهام واشنطن لموسكو بتقديم الدعم لإيران اثناء الحرب.
• الاعتراض الرقمي الصيني: كشفت بكين عن سجلات “تبادل البيانات اللحظي” بين مراكز القيادة والسيطرة في المملكة وباقي دول الخليج وبين الطائرات المعتدية.
خامساً : الإدانة القانونية.. مسؤولية “الدول المضيفة”
المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة: تمنح إيران حقاً أصيلاً في الدفاع عن النفس وضرب مصادر النيران.
مبدأ “مسؤولية الدولة”: المادة 16 من مسودة القانون الدولي تنص على أن الدولة التي تقدم مساعدات (أرض، جو، لوجستيك) لعدوان، تُعتبر شريكة في الفعل غير المشروع.
• سقوط صفة الحياد: إن سماح هذه الدول باستخدام أجوائها وأراضيها لضرب جارة مسلمة يُسقط عنها صفة “الدولة المحايدة” قانونياً وسياسياً. وأن سردية النفي والنأي بالنفس عن المشاركة في دعم العدوان لن تجدي نفعاً لان بعد انتهاء هذه الحرب سيتم فتح سجل الحساب موثقاً بالأدلة والبيانات الرقمية للأقمار الاصطناعية.
الخلاصة: إن استهداف إيران لهذه القواعد هو في الحقيقة “قطع لأطراف سنتكوم”. فإيران تدرك أن هزيمة العدوان لا تتم عبر مواجهة واشنطن في أمريكا، بل عبر تدمير “البنية التحتية” التي تديرها القيادة المركزية في المنطقة، وتحويل هذه القواعد من ميزة استراتيجية لـ (CENTCOM) إلى نقاط ضعف تهدد أمن الدول المستضيفة لها.
إن الرسالة الإيرانية واضحة: “الأمن الإقليمي لا يتجزأ”. الدفاع عن النفس هو الحق الذي يضمن بقاء الدولة، وعلى دول المنطقة، وعلى رأسها السعودية، أن تختار بين الارتهان لأجندات (CENTCOM ) التي تحول أراضيهم إلى ساحات مستباحة، أو العودة إلى حضن الأمن الإقليمي المشترك الذي يحترم السيادة وحسن الجوار.
د. سلام عودة المالكي