د. سلام عودة المالكي
في قلب المختبر السياسي الملتهب للشرق الأوسط، تدور رحى صراعٍ مفاهيمي يتجاوز حدود الرصاص والقذائف، ليلمس جوهر السيادة ومعنى الإرادة في العلاقات الدولية؛ حيث تبرز جدلية “الحليف” و”الوكيل” كأداة حرب نفسية تستخدمها الماكنة الغربية والعربية لتشويه الحقائق. فبينما يصر النموذج الأمريكي ومن معه في المنطقة على وصم شركاء إيران بـ “الوكلاء” لنزع الشرعية عن قضاياهم الوطنية، تكشف الوقائع أننا أمام مشهدين متناقضين تماماً؛ مشهدٌ يقوم على “وحدة الساحات” والندية، وآخر يغرق في “التبعية الوظيفية” والإملاء.
إن العلاقة التي تربط طهران بحلفائها في لبنان والعراق وفلسطين واليمن ليست مجرد عقود مادية عابرة ومصالح سياسية ، بل هي علاقة عضوية نمت من رحم التجانس العقدي والقيمي والمبدئي، حيث يتحرك المقاتل في بيروت أو بغداد أو صنعاء أو غزة بوازعٍ داخلي وإيمانٍ مطلق بأن مواجهة الهيمنة والاحتلال الصهيو-أمريكية هي معركته الوجودية قبل أن تكون مصلحة إقليمية. وهنا تتجلى قوة وتماسك هذا التحالف في “الاستقلالية الميدانية”؛ إذ أثبتت أحداث “طوفان الأقصى” وما تلاها أن هؤلاء الحلفاء هم أسياد قراراتهم في التوقيت والتكتيك، يدافعون عن أراضيهم من منطلق تحرري وطني، بينما توفر طهران العمق الاستراتيجي والتمكين التقني دون أن تفرض وصاية أو تملي أجندة تصادم مصالحهم الوطنية، مما يجعلهم شركاء في المصير لا أدوات تنفيذ.
بينما نشهد على الضفة المقابلة، انكشاف زيف الادعاء الغربي حين ننظر إلى حال “حلفاء واشنطن” الذين تحولوا بفعل الارتهان الكامل إلى “وكلاء وظيفيين” مسلوبي الإرادة؛ فهم يصحون على طبول حرب تُقرع من أراضيهم وقواعدهم العسكرية دون إذن أو تشاور، ويجدون أنفسهم مغيبين تماماً عن طاولات المفاوضات التي تقرر مصير بلدانهم، ليقتصر دورهم على التأمين الجغرافي أو التمويل المادي. وفي هذا المشهد الهجين، تبرز إسرائيل كـ “شريك وحيد” يمتلك حق المشاركة والاعتراض على السياسات الأمريكية، بينما يُساق البقية خلف الأوامر التي تصل عبر الاتصالات الهاتفية، ليكونوا مجرد منصات وظيفية تخدم الاستراتيجية الأمريكية العليا حتى لو كان الثمن أمنهم القومي.
إن التمايز الجوهري بين “عظمة التحالف” و”هوان الوكالة” يكمن في ميزان الكرامة؛ فالحليف الند في محور المقاومة يبادر للفعل انطلاقاً من هويته الراسخة، ويضحي من أجل مبدأ مشترك يجمعه بشركائه، مما يجعله شريكاً أصيلاً في صناعة النصر والتاريخ. أما الوكيل، فيبقى رهينة لـ “مظلمة أمنية” هشة، تُنزع منه السيادة باسم الحماية، وتُصادر إرادته لصالح مشروع لا يرى فيه سوى رقمٍ عابر تنتهي صلاحيته بانتهاء الحاجة الوظيفية إليه.
وفي ختام هذا الصراع المفاهيمي، يتبدّى لنا أن التاريخ لا يكتبه من ارتهنوا لظلّ المستكبر، بل أولئك الذين صاغوا من جراح أرضهم ومن ثبات مبادئهم درعاً لا ينكسر.
إن الفارق بين الحليف والوكيل هو ذاته الفارق بين “الإرادة” و”الأداة”؛ فبينما تتهاوى عروش الوكالات الوظيفية عند أول منعطف للمصالح الكبرى، تزداد عرى التحالفات المبدئية وثوقاً، لأنها لا تقتات على الصفقات العابرة، بل ترتوي من صدق العقيدة ووحدة المصير. لقد ولى الزمن الذي كانت فيه العواصم تُدار بالريموت كنترول من خلف المحيطات، وبزغ فجرٌ جديد يثبت فيه الأحرار أن السيادة ليست هبةً تُمنح، بل هي وقفة عزّ تُنتزع، وأن التحالف الحقيقي هو الذي يجعلك شريكاً في رسم الـخرائط المستقبل للمنطقة لا مجرد رقمٍ يُشطب من حسابات السادة حين تضع الحرب أوزارها وتنتهي المصالح .