
الدكتور سلام عودة المالكي
“لقد حسم التافهون المعركة في هذه الأيام.
لقد تغيّر زمن الحق والقيم والمبادئ … إنه زمن الصعاليك الهابطين !
فعند غياب القيم والمبادئ، يطفو الفساد المبرمج ذوقاً وأخلاقاً وقيماً. إنه نظام التفاهة.”
في البداية ظننا أنها مجرد موجة. أنها ضجيج سيعبر. أنها أشخاص سيأتون ويذهبون.
لكن مع الوقت اكتشفنا الحقيقة المرة: ما نعيشه ليس موجة، بل انقلاب.
انقلاب لا يُعلن في بيان عسكري، ولا يبدأ بدبابة، إنما بحلقة تلفزيونية تافهة، وبتصريح أجوف، وبوجه مألوف على الشاشة كل ليلة.
إنه “نظام التفاهة”، وهو مشروع متكامل لإفراغ المجتمعات من الداخل.
كيف يشتغل هذا النظام؟
يشتغل بثلاثة وجوه، تتكامل لتصنع السقوط، هي على النحو الآتي:
الإعلام: لم يعد الإعلام سلطة رابعة تراقب وتحاسب. لقد تحول إلى مصنع كبير للتفاهة. مهمته لم تعد كشف الحقيقة، بل دفنها تحت جبل من الضجيج. الخبر الجاد يموت في زاوية، بينما تتصدر الفضيحة كل الواجهات. المفكر الحقيقي يُقصى لأنه “ممل”، ويُستبدل بالمهرج لأنه “خفيف”. الهدف لم يعد التنوير، إنما أن تبقى مشغولاً، غاضباً، تائهاً، حتى لا تفكر.
السياسة: في غياب المشروعات الكبرى، تسللت إلى الواجهة شخصيات بلا تاريخ وبلا كفاية. شخصيات لا تملك برنامجاً، لكنها تملك صوتاً عالياً. لا تقدم حلاً، لكنها تجيد صناعة عدو. وصلت لأنها الأكثر صراخاً، لا لأنها الأصلح. وتحولت السياسة من فن إدارة الدولة إلى فن إدارة “الصفقات والمؤامرات”.
الثقافة والذوق: هنا كانت الضربة القاتلة. تم تمجيد السطحي واحتقار العميق. صار الجهل يُسمى عفوية، والابتذال يُسمى حرية، والانحطاط يُسمى جرأة. المدرسة لم تعد تصنع العقل الناقد، صارت تلقن. والفن لم يعد يرتقي بالروح، إنما صار يستفزها. وحين ينهار الذوق، ينهار معه كل شيء.
قصة السقوط: كيف انتصر التافهون؟
لم ينتصر التافهون لأنهم أقوياء، إنما انتصروا لأننا تركنا الساحة لهم.
انسحب الكبار أولاً. تعب المثقف من الكتابة بلا قارئ، وتعب السياسي من المبادئ بلا نتيجة، وتعب المعلم من التربية بلا احترام. فعاد كلٌ إلى بيته.
وحين خلى المكان، دخل الصغار إلى الميدان. دخل “الصعلوك” السياسة، فجلس حيث وجد كرسياً فارغاً. ولم يكن لديه مشروعا، فاخترع عدواً. والناس صدقته لأنها كانت تبحث عن أحد تلقي عليه اللوم.
ودخل “التافه” الإعلام، فاحتل المشهد حيث وجد شاشة فارغة. ولم يكن لديه فكر، فاخترع فضيحة. والناس تابعته لأنها كانت تبحث عن هروب من الواقع.
ودخل “الفاسد” الاقتصاد، فوجد دولة بلا رقابة فنهبها. ولم يكن لديه إنتاج، فاخترع الربح السريع. والناس صفقت له لأنها كانت جائعة.
ومع الوقت، تحول الاستثناء إلى قاعدة. صار الكذب يُسمى علاقات عامة، وصارت الرشوة عمولة، وصار بيع المبدأ يُسمى واقعية. وهكذا سقطت القلعة، ليس من الخارج، بل من الداخل.
ما هي كلفة هذا السقوط؟
الكلفة أكبر من أن تُقاس بمال.
سياسياً، أنتجنا دولاً بلا بوصلة. دولاً تتحرك بردة الفعل، سهلة الاختراق، سهلة الابتزاز.
اقتصادياً، أنتجنا اقتصاداً يبيع الواجهات ولا يصنع شيئاً. اقتصاداً يستهلك ولا ينتج.
اجتماعياً، أنتجنا جيلاً بلا قدوة. جيل يحلم بأن يصبح “مؤثراً” لا عالماً، يبحث عن الشهرة لا عن الوطن.
أمنياً، أنتجنا مجتمعاً مفككاً. ومجتمع مفكك لا يدافع عن نفسه، لأنه ببساطة لا يؤمن بأن له شيئاً يستحق الدفاع عنه.
لم نعد نحتاج إلى من يحتلنا. لقد احتلينا أنفسنا.
النهاية: من سيكتب الفصل القادم؟
هل انتهت المعركة؟ لا. ما انتهى هو جولة واحدة فقط.
“نظام التفاهة” هش. هو كالرغوة. يعلو ويصخب لكنه لا يبني. لا يستطيع أن يبني مستشفى، ولا مصنع، ولا جيش. ويسقط حتماً في أول اختبار حقيقي.
لكن سقوطه لن يحدث وحده. يحتاج إلى من يدفعه.
المعركة الآن انتقلت. لم تعد في الشوارع. انتقلت إلى العقول.
وسلاحها ليس الرصاص، بل السؤال. سلاحها هو أن نستعيد شجاعة أن نقول: هذا حق وهذا باطل.
أن نستعيد احترام العمل، وتقديس العلم، وبناء القدوة.
السؤال ليس لماذا انتصر التافهون.
السؤال هو: أين كنا نحن عندما كانت الساحة خالية؟
ومن يملك الجواب، هو من سيكتب الفصل القادم من تاريخنا.