بين “عنفوان الكرامة وذل الإذعان”: “صراع الإرادة والبقاء”

شارك القصة

الخط

د. سلام عودة المالكي

ليست الحروب مجرد بارود ونار، بل هي في جوهرها اختبار حقيقي للمبادئ والمعادن. عندما يجد الإنسان نفسه في خندق الدفاع عن الدين،الأرض، العرض، لا تعود المعركة خياراً اختيارياً يمكن التراجع عنه، ولا مغامرة عشوائية يُلقي بها المرء نفسه في التهلكة، بل تصبح قدراً محتوماً تمليه الكرامة ويفرضه الواجب. ومع ذلك، تبرز في كل زمان ومكان أصوات تخشى غبار المعارك، فتغلف جبنها بعبارات “الحرص على السلام” و”تجنب الدمار”، متناسين أن السلام الذي يأتي تحت أقدام الغزاة ليس سلاماً، بل هو عبودية مُقنّعة.

إن سياسة الخنوع والإذعان التي يروج لها البعض بحجة الحفاظ على الحياة، هي في الحقيقة دعوة للموت البطيء. فالحياة التي تُعاش في ظل الهوان هي حياة منقوصة، خالية من عنفوان الكرامة وإباء النفس الذي ميز أصحاب الحق عبر التاريخ. إن القبول بالهزيمة النفسية قبل الميدانية هو ما يجعل الشعوب لقمة سائغة لقوى الإستكبار ، وهو ما يرفضه الأحرار الذين يؤمنون بأن العزة ليست مجرد كلمة، بل هي فعل وتضحية مستمرة.

وإذا استنطقنا التاريخ، لوجدناه يضج بنماذج مخزية لأولئك الذين ظنوا أن مساومة العدو على كرامتهم ستحمي وجودهم، فكانت النتيجة هي الزوال المهين. ولعل سقوط الأندلس هو المثال الأبرز؛ حيث انشغل ملوك الطوائف بمهادنة الأعداء ودفع “الجزية” لهم مقابل البقاء الزائف في كراسيهم، فكان الخنوع سيد الموقف، والنتيجة لم تكن السلام، بل سقوط غرناطة وطردهم جميعاً وهم يتباكون على ملك لم يحافظوا عليه كالرجال. كما يذكر التاريخ سقوط بغداد على يد المغول، حين انقسم الناس بين المواجهة وبين مهادنة “هولاكو” طمعاً في النجاة، فلم يرحم السيف المغولي الخانعين، بل استباح الدماء والحرمات وأثبت أن “الأمان المذل” هو الوهم الذي يسبق الإبادة. وفي العصر الحديث، وقفت اتفاقية ميونخ شاهدة على أن استرضاء الطغاة بالخضوع لم يمنع الحرب العالمية، بل جعل الدمار أوسع والكلفة أفدح.

لقد علمتنا هذه الدروس أن الذين ارتضوا “العيش بأي ثمن” انتهى بهم الأمر بخسارة كل شيء. فالحياة ليست مجرد سعي للنجاة، بل هي كرامة مصونة تجعل من ذكرى الإنسان منارة للأجيال. إن فلسفة “الحياة القصيرة” تؤكد لنا أن لا سرمدية في هذا الوجود؛ فالموت قدر محتوم على الجميع، ولكن شتان بين من يموت وهو يقبض على جمر مبادئه، وبين من يموت وهو غارق في وحل الذل.

إن التاريخ لا يكتبه المرتجفون، بل يسطره أولئك الذين آمنوا بأن الموت في سبيل الله والكرامة هو ميلادٌ جديد، وأن العيش في كنف المهانة هو الفناء الحقيقي. فليعلم كل من ينادي بالإذعان تحت ستار “الواقعية” أن السلام الذي يُبنى على أنقاض الشرف هو مجرد استراحةٍ للعدو، وخيانةٍ صريحةٍ للدين والأرض. أن عقيدة الأحرار لن ترتضي يوماً أن تكون أرقاماً هامشية في سجلات الهزيمة؛ فإما حياةٌ يملؤها العز ويُتوجها الفخر، وإما تضحيةٌ ترسم بدمائها طريق الحرية للأجيال القادمة. ففي ميدان الحق، لا يوجد إلا خياران: ثباتُ الأبطال أو خزيُ الجبناء، ونحن اخترنا ألا ننحني إلا لله، ولا نعيش إلا أعزة.