بينما تتجه أنظار العالم إلى شاشات الأخبار بانتظار “ساعة الصفر” للمفاوضات الإيرانية الأمريكية في إسلام آباد، يدرك صناع القرار أننا لا نعيش مجرد أزمة دبلوماسية عابرة، بل نحن أمام لحظة انعطاف تاريخي. لقد انزاحت بوصلة الصراع من “تغيير النظام” و”تفكيك النووي” إلى صراع وجودي على سيادة الممرات المائية، حيث تحول “مضيق هرمز” من ممر للطاقة والتجارة إلى “مقصلة” تهدد عنق الاقتصاد العالمي ووضعت واشنطن بين خياري الاستنزاف أو التسليم بشروط طهران.
لقد بدأت المواجهة بأهداف أمريكية سقفها السماء: تدجين القوة البالستية الإيرانية وفك ارتباطها بـ”محور المقاومة”، إضافة إلى الأهداف الرئيسية الأخرى. لكن الميدان فرض لغته الخاصة. فإيران، التي تعايشت مع العقوبات لعقود، نقلت المعركة إلى “منطقة الألم” الدولية، مما جعل المعركة دولية أكثر منها إقليمية. اليوم، لم يعد التفاوض على “أجهزة الطرد المركزي”، بل على “فتح المضيق”. هذا التحول هو اعتراف ضمني بفشل سياسة الاحتواء، وبأن “قوة الردع المتشعب” قد نجحت في تحويل التهديد المحلي إلى أزمة طاقة كونية، واضعة واشنطن أمام حقيقة مرة: الجغرافيا أقوى من التكنولوجيا العسكرية.
من جهة أخرى، أصبح لبنان الرئة الدامية للتفاوض. في هذا المشهد، يبرز لبنان كـ”الساحة الأكثر هشاشة” و”الورقة الأكثر تعقيداً”. فبينما تحاول إسرائيل انتزاع مكاسب ميدانية وتوسيع رقعة العدوان لفرض واقع جغرافي جديد “منطقة عازلة”، مستغلة عجز الدولة اللبنانية عن تقديم أوراق قوة تعزز موقفها التفاوضي وكسب ضمانات سياسية أمريكية لتحقيق الاستقرار وحل الصراع الدائر، فإن حزب الله، برفضه القاطع لفصل المسار اللبناني عن المسار الإقليمي وكذلك مبدأ التفاوض المباشر دون تحقيق أي مطلب سيادي، جعل من الجنوب اللبناني “المتحدث الرسمي” عن مصير المفاوضات وأي نتائج سيُعلن عنها لاحقاً. لبنان اليوم ليس مجرد جبهة، بل هو “مؤشر نبض”: فإما تهدئة شاملة أو انفجار إقليمي بلا سقف.
التنين الصيني والارتباك الأوروبي: تبادل الأدوار
بينما تنشغل واشنطن بإطفاء حرائقها، تظهر الصين كـ”الرابح الصامت”. بكين لا ترى في أزمة هرمز مجرد تهديد لإمداداتها، بل فرصة لتقديم نفسها كـ”ضامن أمن بديل”. إذا ما استمر العجز الأمريكي، قد نرى بكين تطرح نظاماً أمنياً وتجارياً قائماً على “اليوان الرقمي”، مما يعني رصاصة الرحمة لـ”البترودولار” وبداية عصر “الشرطي الآسيوي” في مياه الخليج. وهذا أمر قد يكون مهماً بالنسبة لدول المنطقة بعد الفشل الذريع للولايات المتحدة الأمريكية في حماية حلفائها ومصالحها، وتأثيرها السلبي على مصالح دول العالم بأسره.
على النقيض، تقف أوروبا في حالة من الشلل الاستراتيجي. فهي “الضحية الاقتصادية” الأولى لأي انقطاع في الطاقة، ومع ذلك تفتقر للقوة العسكرية لفرض حل سياسي شامل. أوروبا اليوم تمارس دور “المطافئ” الذي يحاول تبريد الأجواء خشية من موجات هجرة كبرى وانكماش اقتصادي قد يطيح باستقرار القارة العجوز. لذا، فهي تسعى إلى خلق بيئة سياسية أكثر مرونة في حل هذه الأزمة دون اللجوء إلى الولايات المتحدة التي بات الطلاق بينهما واضحاً ولا رجعة فيه.
سيناريو الاستنزاف الأعظم: من يرفع الراية؟
إذا انقضى “الموعد النهائي” للهدنة دون اتفاق، فلن نكون أمام حرب تقليدية، بل أمام “عصر الاستنزاف الأعظم”. فعلى المستوى الاقتصادي ستكون هناك قفزة لأسعار النفط فوق 130 دولاراً، مما يشعل ثورات غضب في العواصم الغربية. أما على مستوى الميدان، فستتحول “حرب الظل” إلى مواجهة تكنولوجية واسعة النطاق تستهدف البنى التحتية الحيوية من دبي إلى حيفا.
إن الانتصار في هذه المعركة لن يُقاس بالمساحات المحتلة، أو بحجم التدمير، بل بـ”النفس الطويل”. فإيران تراهن على صمود محورها وتحمل شعبها، بينما تراهن واشنطن على كسر إرادة إيران قبل انفجار أسواقها الداخلية. وبين هذا وذاك، تتهيأ الصين لوراثة “إمبراطورية الممرات” التي يبدو أن واشنطن بدأت تفقد مفاتيحها. ولكن هذا أمر مرهون بما تقرره طهران التي باتت على أعتاب نصر تاريخي سيؤسس لمرحلة جديدة من صياغة نظام جديد يحكم المنطقة، وقد يمتد إلى مناطق أخرى في العالم.
د. سلام عودة المالكي