لاهوت الدولة في نهج علي (ع): بين هندسة العدل ونقد العقل السياسي

شارك القصة

لاهوت الدولة في نهج علي (ع): بين هندسة العدل ونقد العقل السياسي
لاهوت الدولة في نهج علي (ع): بين هندسة العدل ونقد العقل السياسي
الخط

د. سلام عودة المالكي

منذ أربعة عشر قرناً، لم يكن الإمام علي بن أبي طالب (ع) يخطّ عهداً لولاته فحسب، بل كان يضع “هندسةً نووية” لبناء الأوطان؛ حيث العدل هو “المادة” والصدق هو “الروح”. وحين صرخ: “والله لو وجدتُه قد تُزوِّج به النساء لرددتُه”، لم يكن يستعيد مالاً منهوباً فحسب، بل كان يهدم أول معبدٍ لـ”السياسة كشركة خاصة”.

في زمننا العالق بين نقد العقل السياسي لريجيس دوبريه — الذي يرى الدولة “وثناً رمزياً” يحتاج إلى شعائر ليحكم — وبين واقع العراق الذي تحولت فيه تلك الشعائر إلى “ستارٍ دخاني” يغطّي صفقات النخب، تبرز الرؤية العلوية كصاعقةٍ تخترق الضباب. إنها الرؤية التي كشفت مبكراً أن السلطة حين تتحول إلى “نخبة متسلطة” تتقاسم الأرباح وتُصدّر الخسائر للشعوب، تفقد “لاهوتها” الرمزي وتتحول إلى مجرد “قيد” فاقد للشرعية.

يؤكد دوبريه أن السياسة هي “دين علماني”؛ فالناس لا يتبعون الأرقام، بل يتبعون “المعنى”. وفي العراق أدركت النخب هذه الحقيقة، فاستثمرت في “المقدس” وحولته إلى وسيط لتمرير الفساد. رفعت الشعارات والشعائر لتكون مخدراً للجماهير، بينما تُدار الدولة خلف الكواليس كـ”دكانٍ” تتقاسمه الأحزاب.

هذا التزييف الرمزي هو ما حطمه الإمام علي (ع) حين وصف حال النخب التي تتخذ الدين ستاراً لمطامعها، بقوله:”اتَّخَذُوا دِينَ اللَّهِ دَغَلًا، وَعِبَادَهُ خَوَلًا، وَمَالَهُ دُوَلًا.”

وحين تتحول الدولة إلى شركة خاصة، تنهار “قداسة التضحية”، فلماذا يضحي الشاب بنفسه ليحمي أسواراً تمنعه من العيش الكريم؟ هنا تبرز ميديولوجيا “العدل المحسوس” عند الإمام علي (ع)؛ فالوطن عنده ليس جغرافيا، بل كرامة. يقول (ع) في عهده لمالك الأشتر، واضعاً المشرط على جرح العراق النازف: “إِنَّمَا يُؤْتَى خَرَابُ الْأَرْضِ مِنْ إِعْوَازِ أَهْلِهَا، وَإِنَّمَا يُعْوِزُ أَهْلُهَا لِإِشْرَافِ أَنْفُسِ الْوُلَاةِ عَلَى الْجَمْعِ.”

هذه هي المعادلة العلمية للواقع العراقي: نهم النخب للجمع والاستئثار هو المحرك الحقيقي لخراب الأرض. إنها سياسة “الجباية بلا رعاية”، حيث تتحول الدولة إلى “سجان” يجمع النفط ليوزعه كـ”أرباح” على بطانةٍ وصفها الإمام (ع) بأنهم:”أثقل الناس على الوالي في الرخاء، وأقلهم معونة له في البلاء.”

إن العراق اليوم لا يقف أمام أزمة إدارية يمكن حلها بوعودٍ انتخابية، بل أمام “سقوط لاهوتي” كامل للمنظومة التي أدمنت العيش على دماء الرموز وقوت الفقراء.
لقد برهن التاريخ، بمنطق علي (ع) وتجربته، أن الدولة التي تدار كـ”شركة خاصة” هي كيانٌ انتحاري؛ فهي حين تقتل “معنى الانتماء” في نفوس شبابها، وتهدم الجدار الأخير الذي يحمي كراسيها.

إن الانبعاث العراقي المنشود لن يمرّ عبر ممرات النخب التي احترفت “تزييف الوعي”، إنما عبر استعادة “البوصلة العلوية” التي لا تهادن في الحق. إنها العودة إلى دولة تكون فيها السياسة “صلاةً في محراب الإنسان”، لا “صفقةً في غرف المظلمين”.

فإذا كان دوبريه قد كشف لنا “كيف” تُخدر الشعوب بالرموز، فإن علي بن أبي طالب (ع) قد علمنا “كيف” نحطم هذا التخدير لنسترد الكرامة المنهوبة.

إن الوطن الذي يحرسه السراق سجن، والعدل الذي لا يكسر أغلال النخبة وهم. لذا، فإن الخيار أمام العراقي بات واضحاً: إما القبول بـ”رماد” المواطنة في ظل دولة المحاصصة، أو الاستمساك بـ”جمرة” الحق العلوي التي تؤمن بأن “يوم المظلوم على الظالم أشد من يوم الظالم على المظلوم”.

إن لاهوت الزيف ينهار، والأقنعة الرخامية تتشقق، وما يتبقى في النهاية ليس أرصدة النخبة، بل ذلك الصوت الخالد الذي يهمس:”لا تستوحشوا طريق الحق لقلة سالكيه.”
فالوطن يُبنى بالذين يرون فيه كرامةً لا غنيمة، وبالذين يؤمنون أن الدولة التي لا تنصر الضعيف هي “أهون من عفطة عنز”، ولو ملكت خزائن الأرض.