
إن الدعم الأمريكي لإسرائيل مشروع تطلب قرن ونصف حيث زحف من مقاعد الكنائس الخشبية إلى مقاعد السلطة الرئاسية. والقصة الكاملة تختصر بالسؤال: كيف تحولت “نبوءة دينية” إلى “عقيدة دولة” تدير البيت الأبيض والكونغرس والبنتاغون؟
البداية: التأسيس اللاهوتي (القرن 19 – 1948)
قبل أن تولد إسرائيل على الخريطة، وُلدت في الضمير الإنجيلي الأمريكي. وذلك حينما انتشر “اللاهوت التدبيري” الذي جعل عودة المسيح مشروطة بـ “تجمع اليهود في فلسطين”. وهكذا تحوّل اليهود من أقلية دينية إلى “أبطال مشهد نهاية الزمان” بفعل ملايين المسيحيين الإنجيليين الذين صاروا قاعدة شعبية جاهزة لدعم أي مشروع صهيوني قبل أن تتبناه واشنطن رسمياً.
* الاختراق السياسي الأول (عهد ريغان 1981-1989):
بعد قوانين الحقوق المدنية عام 1964، هجر الديمقراطيون الجنوبيون البيض حزبهم، وهم كانوا إنجيليين محافظين يبحثون عن بيت سياسي جديد. فالتقط جيري فالويل اللحظة وأسس “الأغلبية الأخلاقية” عام 1979 وسجل 4 ملايين ناخب.
* الصفقة التاريخية: تبنى ريغان أجندتهم الأخلاقية ضد الإجهاض، وهم أعطوه “حزام الإنجيل”. ودخلت إسرائيل المعادلة كـ”حليف توراتي ضد إمبراطورية الشر السوفيتية”. ولأول مرة، جلس قادة إنجيليون في البيت الأبيض كمستشارين، وهكذا خرج الدعم من إطار الكنيسة ودخل إطار السياسة.
* تثبيت الاختراق تشريعياً (عهد كلينتون 1993-2001): كلينتون ديمقراطي، لكنه لم يستطع كسر القوس الصاعد، فتحول الاختراق من الرئيس إلى الكونغرس والبنتاغون. وبعد سقوط الاتحاد السوفيتي، احتاجت المؤسسة العسكرية لعدو جديد، فقدم اللوبي الإنجيلي “الإرهاب الإسلامي” كبديل وظهروا في الادارة تحت مسمى ” مشروع القرن الامريكي الجديد ” بدعم وتنسيق مع”صقور البنتاغون “.
* الضربة الحاسمة: عام 1995 أجبر الكونغرس الرئيس على توقيع “قانون نقل السفارة للقدس”. عارض كلينتون، ولجأ إلى تأجيل التنفيذ كل 6 أشهر. وهنا تمأسس الدعم، وصار قانوناً لا يلغيه تغير الرئيس. وامتلك الصهاينة المسيحيين فيتو تشريعي دائم.
التحول إلى عقيدة قتالية (عهد بوش الابن 2001-2009)
كان 11 أيلول بمنزلة لحظة التتويج، ذلك أن بوش الابن إنجيلي “وُلد من جديد” ويؤمن بالنبوءات، فكارل روف هندس كل حملاته على أصوات الكنائس. وحول المحافظون الجدد مثل تشيني وولفويتز اللاهوت إلى “سياسة استراتيجية “.
* العقيدة الجديدة: إسرائيل لم تعد حليفاً، إنما أضحت “خط دفاع متقدم للحضارة اليهودية المسيحية”، لذلك سُوّق غزو العراق في الكنائس كنبوءة لسقوط “بابل”، وخرجت ميزانية إسرائيل من النقاش السياسي ودخلت خانة “المقدسات الأمنية”.
التمكين المباشر (ترامب الأول 2017-2021)
بعد 8 سنوات من أوباما، جاء ترامب بصفقة صريحة: أصواتكم مقابل القدس، وهكذا لم يعد الإنجيليين جماعة ضغط، بل صاروا هم الإدارة نفسها.
* حكومة النبوءة: مايك بنس نائباً، مايك بومبيو وزيراً للخارجية، ديفيد فريدمان سفيراً. فكانت النتائج: نقل السفارة، الجولان، صفقة القرن، اتفاقيات أبراهام، وكلها قرارات لإرضاء “حزام الإنجيل” قبل تل أبيب. وهكذا انتقل الدعم من “مصلحة متغيرة” إلى “مسلّمة عقدية ثابتة”.
ذروة الاندماج (ترامب الثاني 2025-2029)
نعيش في هذا العام “الاندماج العضوي الكامل”، إذ انتهت المعركة، وبات الإنجيليون لا يحكمون من البيت الأبيض فقط، إنما من ثلاث سلطات بنفس الوقت:
– بيتي هيغسيث (وزير الدفاع): الذي أعاد تعريف مهمة البنتاغون. لم تعد مهمة البنتاغون حماية أمريكا، بل “الدفاع عن الحضارة اليهودية المسيحية”، وأصبح معه تفوق إسرائيل عقيدة قتالية.
– مايك جونسون (رئيس مجلس النواب): صمام الأمان التشريعي، الذي يضمن المليارات ويجرّم مقاطعة إسرائيل بقوانين فيدرالية في 38 ولاية.
– مايك هكابي (السفير لدى إسرائيل): تجاوز دور السفير ليشرعن “إسرائيل الكبرى”، وهو يرفض مصطلح احتلال ويعمل على ضم الضفة بغطاء أمريكي.
المحرك الذي لا يتوقف: يتجسد هذا المحرك بجماعة الضغط “مسيحيون متحدون من أجل إسرائيل” بـحوالي 11 مليون عضوا. وهذه ليست جماعة ضغط، بقدر ما هي “دولة داخل الدولة”. وقد خلقت هذه الجماعة معادلة جديدة مؤداها: انتقاد إسرائيل انتحار سياسي. وتدير هذه الجماعة سياسة موازية، إذ تربط كنيسة ما في تكساس بمستوطنة ما في الخليل، ما ينتج شبكة مصالح دينية ومالية وشعبية يستحيل تفكيكها.
الخاتمة: حكم الطيار الآلي الأيديولوجي 2026
لقد اكتملت الرحلة، وخرجت الفكرة من المنبر إلى الخريطة في خمسة عوامل:
1. ديموغرافياً: حشد 40 مليون إنجيلي ككتلة تصويت موحدة في عهد ريغان.
2. تشريعياً: تم إقرار قوانين ملزمة في الكونغرس بعهد كلينتون.
3. أمنياً: دمج إسرائيل بعقيدة البنتاغون بعد 2001 في عهد بوش.
4. تنفيذياً: وضع الأتباع في مناصب النائب والوزير بعهد ترامب الأول.
5. هيكلياً: تحويل المؤسسات نفسها لتعمل بالعقيدة في عهد ترامب الثاني.
النتيجة الأخطر هي فك الارتباط بين السياسة وشخص الرئيس، إذ أن واشنطن اليوم توفر لإسرائيل السلاح عبر هيغسيث، والمال عبر جونسون، والشرعية عبر هكابي، ولو جاء رئيس ديمقراطي 2029 سيصطدم بجدار من الكونغرس والبنتاغونو40 مليون صوتا( حسب إحصاءات رسمية). إن المعركة لم تعد على سياسة خارجية، بل أضحت على عقيدة داخلية تحكم أمريكا.
د. سلام عودة المالكي