برزخ “اللا منطق”: واشنطن بين أنياب الحرب ومخالب الهزيمة الدبلوماسية

شارك القصة

برزخ “اللا منطق”: واشنطن بين أنياب الحرب ومخالب الهزيمة الدبلوماسية
برزخ “اللا منطق”: واشنطن بين أنياب الحرب ومخالب الهزيمة الدبلوماسية
الخط

 

د. سلام عودة المالكي

لم تكن الحرب التي شنتها واشنطن وتل أبيب ضد إيران مجرد نزاع عسكري على غرار الحروب التاريخية السابقة، بل كانت “حرب اللا منطق” في أبهى تجلياتها. بدأت شرارتها في لحظة سريالية؛ فبينما كانت أروقة الدبلوماسية تضج بضجيج المبادرات، انطلقت الصواريخ لتكتب بلغة النار فصلاً من الغدر الاستراتيجي. لم تستهدف الضربة الأولى القواعد العسكرية فحسب، بل طالت أحلام جيل كامل بقصف مدارس البنات والمناطق السكنية، في محاولة يائسة لترويع الحاضنة الشعبية وصدم الوعي الجمعي الإيراني.

حين فشلت الصدمة العسكرية في انتزاع “صك الرضوخ”، انتقل التخبط الأمريكي نحو البنية التحتية الخدمية؛ فصار تدمير الحضارة والبنى التحتية وقطع الكهرباء ومنع المياه سلاحاً سياسياً. ومن هنا، وُلدت “هدنة الضرورة” عبر الوسيط الباكستاني، لكن المنطق الترامبي المتقلب أفسدها حين استثنى لبنان من وقف إطلاق النار، بعد أن وافق عليها مسبقاً، محاولاً تمزيق جسد “المحور” المترابط. وحين جلس الخصوم في إسلام آباد وشارفت الأقلام على التوقيع، انسحبت واشنطن في “اللحظة الأخيرة”، لتبدأ فصلاً جديداً من “القرصنة الرسمية” عبر الحصار البحري وحجز السفن التجارية، ظناً منها أن الجوع قد يحقق ما عجزت عنه الطائرات.

لم يتوقف أثر هذا التخبط عند حدود الجغرافيا، بل امتد ليزلزل أركان النظام الدَّوْليّ بمسارين:

اقتصادياً: تحول “مضيق هرمز” إلى شريان ينبض بالقلق، فارتفعت حدة المخاطر النفطية، وضرب التضخم عواصم القرار الغربي، مما كشف هشاشة الاعتماد على المظلة الأمنية الأمريكية التي باتت هي مصدر الخطر لا صمام الأمان.

سياسياً: تآكلت هيبة “القطب الواحد”؛ فالتراجع الأمريكي المتكرر أمام رفض طهران لـ”منطق الإملاءات” أعاد رسم خريطة القِوَى، حيث برزت القوى الآسيوية كشركاء بدلاء، وتحولت باكستان من ساعي بريد إلى ضامن دَوْليّ في نظام متعدد الأقطاب إذا ما نجحت مساعيها في تحقيق اتفاق دائم بين طرفي النزاع.

برزخ الخيارات: الاستنزاف المفضي إلى الانكسار

إن ما يشهده العالم اليوم من تمديد للهدنة من قبل ترامب، على الرغْم خطابات التهديد، ليس إلا اعترافاً صامتاً بالهزيمة الاستراتيجية. نحن نعيش الآن في “برزخ” يجمع بين الاستنزاف المتبادل وتسوية الضرورة القادمة. إن التخبط في واشنطن بين التهديد بالهجوم ثم تمديد الهدنة أرسل رسالة ضعف للحلفاء والخصوم على حد سواء. لم تعد القوة العسكرية الأمريكية تُرهب الدول التي قررت “عدم الرضوخ”، مما شجع قِوَى أخرى، منافسة للولايات المتحدة، للاستعداد لملء الفراغ السياسي في المنطقة.

فأنياب الحرب التي لم تعد واشنطن قادرة على إطباقها خوفاً من رد فعل إيراني يزلزل قواعدها، تجعلها تفكر بشكل كبير قبل اتخاذ أي خطوة يمكن أن تؤدي إلى نتائج لا يمكن توقعها. ومن جانب آخر، فإن مخالب الهزيمة التي باتت تمزق سردية القوة الأمريكية في كل مرة يُعلن تمديد الهدنة دون تنازل إيراني واحد، عكست حقيقة أن “كلفة الحرب” الاقتصادية والسياسية أصبحت أكبر من قدرة النظام الرأسمالي العالمي على الاحتمال، مما جعل من “الثبات الإيراني” نقطة تحول في تاريخ العلاقات الدولية الحديثة.

ختاماً، أثبتت “حرب اللا منطق” أو “فوضى المعايير” أن القوة الغاشمة تفقد قيمتها حين تصطدم بإرادة ترفض “منطق الرضوخ”. واشنطن اليوم عالقة في “مستنقع استراتيجي” صنعته أهواء إدارتها، بينما تخرج إيران من الحصار والدمار بموقع “الطرف الذي لم يُكسر” بل الطرف المنتصر . إنها ليست مجرد حرب تنتهي بوقف إطلاق نار، بل هي إعلان رسمي عاجل عن نهاية حقبة “الإملاءات” وبداية زمن تُكتب فيه الشروط بأقلام من صمدوا على الأرض، لا من قصفوا من السماء.