الدولة الوظيفية وعرّابوها: من لاهوت الصومعة إلى استراتيجية “المقاول”

شارك القصة

الدولة الوظيفية وعرّابوها: من لاهوت الصومعة إلى استراتيجية “المقاول”
الدولة الوظيفية وعرّابوها: من لاهوت الصومعة إلى استراتيجية “المقاول”
الخط

 

د. سلام عودة المالكي

في تاريخ العلاقات الدولية، قلّما يولد كيان سياسي من رحم التناقضات كما وُلدت “الدولة الوظيفية”. إنها ليست ثمرة تطور طبيعي لجغرافيا وسكان وهوية، بل هندسة جيوسياسية باردة صُممت في مختبرات الإمبراطوريات. كيان يختصر في بنيته التقاء “المقدس” بـ”المدنس”: فهو في لاهوت الصومعة الإنجيلية “نبوءة” تُستعجل لتحقيق الخلاص الأخروي، وفي غرف عمليات البنتاغون “أداة أمنية” رخيصة تُنجز الحروب بالوكالة دون أن يعود جندي أمريكي في كيس جثث.

هذه الازدواجية ليست عابرة. بل هي جوهر الوظيفة. فمنذ اللحظة الأولى، لم يكن المطلوب “وطناً قومياً” بقدر ما كان المطلوب “قاعدة متقدمة” تمنع التقاء المشرق العربي بمغربه، وتفصل آسيا عن إفريقيا، وتضمن بقاء منابع الطاقة تحت سطوة الغرب. ولذلك جاء التوصيف الأكثر صدقاً على لسان وزير الخارجية الأمريكي الأسبق ألكسندر هيغ حين قال: “إسرائيل هي أكبر حاملة طائرات أمريكية في العالم، لا يمكن إغراقها، ولا يوجد على متنها جندي أمريكي واحد، وتوجد في منطقة حيوية للأمن القومي الأمريكي”. هنا يسقط قناع الدين وتبقى لغة القواعد العسكرية.

لاهوت الصومعة: استدعاء الماضي لخدمة الحاضر
بدأ العرّابون الأوائل، مثل اللورد “شافتسبري” في القرن التاسع عشر، برسم ملامح هذا الكيان داخل “صوامع” اللاهوت الإنجيلي. كانت عقيدة “المجيء الثاني” للمسيح تقتضي وجود اليهود في فلسطين كشرط مسبق. لكن خلف هذا الستار الروحي، كان العقل الاستعماري البريطاني يبحث عن “جسم غريب” يزرعه في قلب الشرق الأوسط لضمان بقاء المنطقة تحت الوصاية.
لقد عبّر شافتسبري عن هذا التلاحم بقوله عام 1840: “إن إعادة اليهود إلى فلسطين ليست عملاً إنسانياً، بل هي ضرورة لاهوتية لاكتمال الزمان، وحاجة إمبراطورية لتأمين الطريق إلى الشرق”.

استراتيجية “المقاول”: حين ينطق المال والدم
مع مرور العقود، انتقل الكيان من مرحلة “الحلم اللاهوتي” إلى مرحلة “التعاقد الاستراتيجي”. هنا سقطت لغة الصلوات وحلت محلها لغة “الفواتير”. عندما صرح المستشار الألماني مؤخراً بأن هذا الكيان يقوم بـ”الأعمال القذرة نيابة عنا”، كان يضع النقاط على الحروف في عقد الوكالة.
إنها الدولة التي تبيع “الأمن” للغرب مقابل “البقاء”؛ فهي تضرب المفاعلات، وتغتال الخصوم، وتفكك القِوَى الإقليمية، وتشعل الأزمات وتبيد المجتمعات لتوفر على العواصم الغربية كلفة التدخل المباشر. ومن هنا ينبع منطق اليمين المتطرف الحالي الذي يواجه الغرب بالقول: “نحن نقوم بالعمل الذي تخشاه ديمقراطياتكم، فلا تسألونا عن الوسائل، بل ادفعوا ثمن النتائج”.

التناقض الوجودي: الصهيونية المسيحية مقابل الإيمان اليهودي

المفارقة الكبرى هي أن “عرّابي” الدولة الحقيقيين ليسوا من اليهود المؤمنين الذين يرفضون استعجال الخلاص بجهد بشري، بل هم من “الصهاينة المسيح” في الغرب والولايات المتحدة الذين حولوا اليهود إلى حرس حدود لمصالحهم.
وهذا ما تؤكده أدبيات حركة “ناطوري كارتا” الرافضة للصهيونية بقولها: “الصهيونية هي محاولة لإنشاء جسد بلا روح، ودولة بلا إيمان؛ إنهم يستعجلون قدراً لم يأذن الله به، ويحولون التوراة إلى عقد إيجار سياسي”. وبذلك، أصبحت الدولة الوظيفية تعيش انفصاماً؛ فهي ترفع رمزاً دينياً، لكنها تتحرك بوقود المصالح الاستعمارية.

نهاية الوظيفة: حين يستغني “المشغل” عن “الوكيل”
إن تاريخ الدول الوظيفية يخبرنا أنها تنتهي بنهاية حاجتها. واليوم، ومع افتضاح الدور الإجرامي لهذا الكيان وتحوله من “ذخر” إلى “عبء أخلاقي” يستنزف سمعة الغرب، بدأ العرّابون يشعرون بالقلق. (كما يحدث الأن من حراك سياسي داخل الاتحاد الأوروبي) ففي العلم الجيوسياسي: “المقاول يظل مفيداً مادام أن كلفته أقل من ربحه، لكن عندما يبدأ المقاول في إحراق المبنى، يفر المشغلون أولاً”.

في الختام، يكشف لنا مسار “الدولة الوظيفية” عن حقيقة واضحة : أن المشروعات التي تُبنى على تزوير المقدس وتوظيفه في خدمة المدنس، تحمل بذور فنائها في داخلها. لقد أراد العرّابون أن يصنعوا من “الأرض المقدسة” حاملة طائرات لا تغرق، ومن “النبوءة” عقد مقاولة أمنية، ومن “شعب الله المختار” حرساً لخطوط الأنابيب.”إنّ الأرض التي باركتها خُطا الأنبياء أسمى من أن تكون منطلقاً للدمار، ويقينًا ستستعيد طهرها وتلفظ كل من استباح حرمة الحياة فيها.”

إن التناقض بين “لاهوت الصومعة” الذي يبشر بالخلاص و”استراتيجية المقاول” التي تغرق في الإبادة، لم يعد قابلاً للترقيع. كل مجزرة جديدة تُسقط ورقة توت عن العقد الأصلي، وتحوّل “الذخر الاستراتيجي” إلى “فضيحة أخلاقية” على مرأى ومسمع العالم، والمشغل الذي صنع الوكيل يدرك اليوم قاعدة السوق: لا أحد يدفع فاتورة مقاول يُشعل المبنى بدل حمايته.

لذلك، فإن نهاية هذه الوظيفة ليست احتمالاً بل حتمية تاريخية. فالدول التي تُؤسس على “عقد إيجار” استعماري لا على “عقد اجتماعي” وطني، تنتهي حين ينتهي الإيجار. وعندما تنطفئ نيران الصفقات وتُغلق دفاتر الفواتير، ستذوب أوهام “المجيء الثاني” المصطنع أمام سؤال الأجيال: بأي حق أخلاقي بقي هذا الكيان؟ لتشرق بعدها شمس الحقيقة على أرض لا تُؤجَّر للمرتزقة، ولا تُستعار نبوءاتها للمقاولات، بل تُورث لمن صان قدسيتها بالدم والصبر: وبشر الصابرين.