
د. سلام عودة المالكي
لم تكن “الصهيونية العربية” وليدة مصادفة، إنما نتاج زواج مصلحة بين نخب عربية أصابها العجز وبين مشروع استعماري يبحث عن وكلاء محليين. بدأت القصة حين اقتنعت هذه النخب بأن الغرب هو المركز المطلق للكون، وأن التحالف الأمريكي الإسرائيلي قدرٌ لا يُرد. وحينها تحولت الهزيمة من ساحة المعركة إلى بنية الوعي؛ فصار المثقف والسياسي يرى في المقاومة “خروجاً عن المنطق”، وفي التبعية “ذكاءً استراتيجياً”. إنه “الطابور السادس” الذي لا يكتفي بمراقبة الجدران، بل يسعى لهدم الحصون من الداخل.
تعمل هذه الظاهرة وفق أجندة غير معلنة، فتوزّع الأدوار بدقة لإحكام السيطرة على الوعي الجمعي: فعرّاب السياسة يحول التنازل إلى “واقعية سياسية”، ويقايض السيادة الوطنية باستقرار هش ورضا خارجي، وإمبراطور المال يربط اقتصاد الأوطان بمصالح الاحتلال، فتصبح لقمة العيش رهينة التطبيع والشراكات المشبوهة، وكاهن الإعلام يمثل فيلق البروباغندا، فيشيطن المقاوم، ويقدس المحتل، ويعيد إنتاج شعارات “السلام الإبراهيمي” لتفريغ الصراع من محتواه، والمثقف المستلب يعيد قراءة التاريخ بعين المحتل، ويفك الروابط الدينية والقومية تحت لافتة “الوطنية الضيقة” وشعار “بلدي أولاً”، كغطاء للانسحاب من معارك الكرامة.
في قاموس الصهيونية العربية، تتحول المقاومة إلى “انتحار سياسي”، ومواجهة الهيمنة إلى “فشل استراتيجي”. وتُستخدم الإحصاءات لقتل الأمل، ويُصوّر المحتل قوة لا تُقهر تدافع عن نفسها، بينما يُقدّم الضحية كمغامر أحمق. والهدف هو إقناع الشعوب بأن كلفة الحرية تفوق طاقتها، مع تجاهل أن كلفة الاستسلام والعبودية أعلى وأكثر دماراً على المدى البعيد.
وخلافاً لادعاءات المتصهين، المقاومة ليست انتحاراً، إنما ضرورة منطقية ووجودية. فهي الرد الطبيعي الوحيد على الاحتلال، وغيابها في ظل العدوان يعني الخضوع للإلغاء. والمنطق الاستراتيجي يدلل على أن المحتل لا يرحل إلا إذا تحول مشروعه إلى عبء مستنزف، والمقاومة وحدها تملك القدرة على تدمير جدواه الاقتصادية والأمنية، وتحويل الإنسان العربي من “موضوع” تُمارس عليه السياسات إلى “فاعل” يصيغ مستقبله بيده.
إن حتمية التاريخ تهمس في أذن كل عصر بحقيقة ثابتة لا تقبل التأويل: “الوكلاء المحليون مجرد أوراق تُحرق فور انتفاء الحاجة إليها”. ففي منطق القِوى الكبرى، لا توجد شراكة مع التابع، بل توجد “صلاحية استخدام”؛ وحين تنتهي الوظيفة وتتبدل توازنات المصالح، يُلقى بهؤلاء الوكلاء من نخب السياسة والإعلام والمال على مذبح الخيبة، ليواجهوا مصيرهم وحيدين أمام شعوبٍ لم ترحم يوماً تابعاً ذليلاً للخارج، ولا من ظن أن “الأمان” يُشترى من يد الغزاة.
ولأن مواجهة هذا “المَدّ الاستلابي” لا تكتمل بمجرد الانتظار، فإن الضرورة المنطقية تقتضي صياغة مقاومة شاملة، لا تكتفي بصد العدوان العسكري، بل تخوض معاركها على مسارات استراتيجية متوازية تبدأ بتفكيك سردية الانهزام وتنتهي بالعزل السياسي والأخلاقي لهؤلاء المتصهين.
ختاماً، إن صراع الإرادات، لا موازين القوة، هو ما يحدد مصير المنطقة. إن الصهيونية العربية هي الرهان الأخير للمشروع الاستعماري للسيطرة دون تكلفة عسكرية. وبما أن المقاومة ضرورة للبقاء، فإن المعركة الحقيقية هي معركة وعي. وبقدر ما تحتفظ الشعوب بقدرتها على كشف الخيانة المقنعة، يظل المشروع الصهيوني بنسختيه الأصلية والعربية محكوماً بالفشل أمام إرادة الشعوب الحرة.