اختارت السلطة اللبنانية التوسع في المفاوضات المباشرة مع اسرائيل والدخول في مسارات سياسية وأمنية، من دون أن تحصل على وقف نهائي لإطلاق النار، وذلك مع انتهاء الجولة الثالثة من المفاوضات اللبنانية ـ الصهيونية في واشنطن بإعلان أميركي عن تمديد جديد للهدنة حتى الأول من تموز/يوليو المقبل، وإطلاق مسارين سياسي وأمني برعاية وإشراف أميركيين.
وأظهرت نتائج الجولة الثالثة، التي عقدت يومي 14 و15 أيار/مايو في مقر وزارة الخارجية الأميركية، تقدماً إضافياً في انتقال المفاوضات من إطار وقف الأعمال العدائية إلى إطار أوسع يتضمن ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين لبنان وإسرائيل، في وقت لم تلتزم فيه إسرائيل بأي من المطالب اللبنانية الأساسية، وفي مقدمتها وقف الاعتداءات والانسحاب من الأراضي المحتلة ووقف التوغلات والتجريف في القرى الحدودية.
وبحسب البيان الأميركي، فقد اتفق الجانبان على “إطار للتفاوض يهدف إلى تعزيز سلام دائم بينهما، والاعتراف الكامل والمتبادل بسيادة كل منهما وسلامة أراضيه، وإرساء أمن حقيقي على طول حدودهما المشتركة”، على أن تُستأنف المفاوضات السياسية في 2 و3 حزيران/يونيو المقبل، فيما يُطلق المسار الأمني في 29 أيار/مايو في وزارة الدفاع الأميركية “البنتاغون” بمشاركة وفود عسكرية من الجانبين.
وتشير المعلومات المرتبطة بالمفاوضات إلى أن الولايات المتحدة ستتولى إلى جانب المسار السياسي، رعاية مباشرة للمسار الأمني والعسكري، والإشراف على ترتيبات أمنية جنوب لبنان، إضافة إلى العمل على تأهيل وتجهيز وحدة عسكرية خاصة تابعة للجيش اللبناني، لتتولى تنفيذ المهمات المرتبطة بنزع سلاح حزب الله وتوسيع انتشار الجيش اللبناني في المناطق الحدودية.
كما تم الاتفاق على إعادة تفعيل لجنة “الميكانيزم” التي تشرف عليها الولايات المتحدة بمشاركة دولية، لتتولى مراقبة تنفيذ الترتيبات الميدانية والأمنية، والتنسيق بين الجيش اللبناني والجيش الإسرائيلي، والإشراف على آليات التحقق من تنفيذ الالتزامات، وسط توجه أميركي لتحويل اللجنة إلى إطار دائم لإدارة الوضع الأمني جنوب لبنان.
وفي المقابل، لم تتضمن نتائج الجولة الثالثة أي التزام
صهيوني واضح بوقف الغارات أو الاغتيالات أو الانسحاب من النقاط التي تحتلها داخل الأراضي اللبنانية، بل أبقت لإسرائيل عملياً حرية مواصلة العمليات العسكرية تحت عنوان “مواجهة خروقات حزب الله”، في ظل تبنٍ أميركي كامل للرواية الإسرائيلية التي تعتبر أن الحزب هو الطرف الذي يخرق التفاهمات.
وتفيد أجواء المفاوضات بأن المرحلة المقبلة ستشهد تعاون جدي من السلطة اللبنانية لتنفيذ سلسلة التزامات، تشمل توسيع انتشار الجيش جنوب الليطاني، وتعزيز التنسيق الأمني مع لجنة الميكانيزم، ومنع أي نشاط عسكري للمقاومة، والعمل التدريجي على نزع سلاح حزب الله والبنى العسكرية التابعة له، باعتبار ذلك شرطاً أساسياً لأي انسحاب إسرائيلي لاحق أو تثبيت دائم للهدنة.
وفي هذا السياق، ترى إسرائيل أن هدنة حزيران/يونيو (هدنة الـ45 يوما) تشكل فرصة لتثبيت وجودها العسكري والأمني داخل المنطقة العازلة التي أقامتها في البلدات والقرى الحدودية، حيث تواصل أعمال التفجير والتجريف وإحراق المنازل ومنع السكان من العودة إليها، في إطار سياسة تهدف إلى تحويل أجزاء واسعة من الشريط الحدودي إلى مناطق مدمرة وخالية من السكان.
ومنذ بدء الهدنة الأولى في 16 نيسان/أبريل الماضي، استمرت إسرائيل في شن الغارات الجوية وتنفيذ عمليات اغتيال وتوغلات داخل الأراضي اللبنانية، بالتوازي مع تدمير واسع وممنهج للقرى الحدودية والبنى التحتية. وبعد انتهاء المرحلة الأولى من الهدنة، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب تمديدها ثلاثة أسابيع إضافية، قبل أن يتم الاتفاق في الجولة الثالثة الحالية على تمديد جديد ينتهي في الأول من تموز/يوليو المقبل.
ورغم الحديث الأميركي عن “تعزيز السلام المستدام” و”إرساء أمن حقيقي” على الحدود، لم تؤدِ الهدن المتعاقبة إلى وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية، إذ واصل الجيش الإسرائيلي التوغل داخل عدد من البلدات الجنوبية، ونفذ عمليات نسف وتجريف واسعة، فيما توسعت الإنذارات العسكرية الإسرائيلية لتطال مناطق مأهولة في مدينة صور ومحيطها خلال الأيام الأخيرة.
وفي المقابل، تواصل المقاومة الإسلامية الرد على الاعتداءات الإسرائيلية عبر استهداف الجنود والآليات والمواقع الإسرائيلية المتوغلة داخل جنوب لبنان أو المنتشرة في المستوطنات القريبة من الحدود، مستخدمة بشكل متزايد الطائرات المسيّرة الانقضاضية التي باتت تشكل عنصر ضغط ميدانياً فعالاً على الجيش الإسرائيلي.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن استخدام المقاومة للطائرات المسيّرة والهجمات المباشرة ضد القوات المتوغلة أدى إلى إرباك حركة الجيش الإسرائيلي وإجباره على إعادة الانتشار في عدد من المواقع الحدودية، وسط تصاعد الخسائر البشرية والميدانية في صفوفه رغم استمرار الغطاء الجوي المكثف.