تحت رماد الدبلوماسية: الهندسة الدائرية والحرب المؤجلة

شارك القصة

تحت رماد الدبلوماسية: الهندسة الدائرية والحرب المؤجلة
تحت رماد الدبلوماسية: الهندسة الدائرية والحرب المؤجلة
الخط

د. سلام عودة المالكي

منذ انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 أخذت المواجهة بين واشنطن وطهران وضعية المعادلة الصفرية، إلا أنه مع خروج البرنامج النووي الإيراني إلى العلن عام 2003 بدأت المواجهة بالتحول من تدافع نفوذ إقليمي إلى هندسة دائرية مغلقة لإدارة الأزمة؛ حلقة مفرغة تبدأ بالتهديد والتصعيد، وتمر بالعقوبات القصوى والاتفاقات الجزئية، لتنتهي دائماً بالتراجع عن التوقيع النهائي، والعودة إلى المربع الأول.

هذا النمط الهندسي الدائري ليس فشلاً دبلوماسياً، إنما “استراتيجية مقصودة” لتعليق الانفجار. وتوحي الشواهد الميدانية الحالية بأن الهدوء النسبي الحالي ليس سوى “رماد مضلل” يغطي طبول حرب مؤجلة ترتبط بتوقيتات وحسابات دولية وإقليمية بالغة التعقيد.

إن الديناميكية الأمريكية تجاه إيران تسير وفق آلية ميكانيكية ثابتة؛ تفرض واشنطن حصاراً اقتصادياً خانقاً على إيران، فترد الأخيرة برفع وتيرة ومستوى تخصيب اليورانيوم وبتحركات إقليمية ذكية. وعندما تقترب الأزمة من حافة الحرب الشاملة – كما حدث في محطات الضربات العسكرية المتبادلة وحرب المسيّرات – تتحرك القنوات الخلفية عبر الوسطاء لتبريد الجبهات وتحقيق هدنة مؤقتة أو تفاهمات جزئية.

لكن العقدة الكبرى تكمن دائماً في “الفيتو” الذي يمنع صياغة اتفاق كلي ومستدام؛ فكلما نضجت ظروف التسوية النهائية، تراجعت الإدارات الأمريكية تحت وطأة ضغوط داخلية وإقليمية. هذا التراجع المستمر يعكس قناعة عميقة لدى أجنحة الحكم في واشنطن بأن أي شرعنة دولية لإيران كدولة عتبة نووية ستعني تلقائياً تغيير ميزان القوى في المنطقة، وهو أمر مرفوض بنيوياً بسبب الفيتو الإيديولوجي لـ”الصهيونية المسيحية”.

ولمعرفة أبعاد هذا الصراع التاريخي، فلا يمكن فهم استعصاء الحل في هذه الحلقة المفرغة دون قراءة العقيدة المشتركة التي تجمع صانع القرار في تل أبيب مع تيار “الصهيونية المسيحية” النافذ في البيت الأبيض والكونغرس. فبالنسبة لهذا المحور، لا تمثل إيران تهديداً أمنياً تقليدياً يمكن احتواؤه عبر الدبلوماسية، بل هي مواجهة أيديولوجية ووجودية ترتبط بنبوءة مقدسة وبأبعاد جيوسياسية حاسمة.

لذلك، فإن الهدف الاستراتيجي لهذا التحالف يتجاوز “تعديل سلوك النظام” أو تجميد أجهزة الطرد المركزي، ويتلخص في استراتيجية ثلاثية الأبعاد: تصفية النظام السياسي في طهران وإنهاء شرعيته الدولية، وتدمير البنية التحتية العسكرية والنووية بشكل كامل لمنع أي نهوض مستقبلي، والقضاء المبرم على جبهة الحلفاء الإقليميين – محور المقاومة – وتفكيك نفوذهم في العواصم الممتدة من بغداد إلى بيروت وصنعاء بهدف إعادة رسم خريطة المنطقة.

وتخضع المنطقة اليوم لتهدئة مؤقتة تفرضها حسابات القوى الكبرى. وبالعودة إلى الشواهد التاريخية فإن واشنطن تفضل تجميد الملفات الساخنة وإرجاء المواجهات الكبرى خلال الفترات التي تشهد استحقاقات سياسية أو فعاليات دولية ضخمة – مثل مواسم الانتخابات الأمريكية أو البطولات الرياضية الكبرى ككأس العالم – وذلك لتجنب القفزات الجنونية في أسعار النفط وضمان استقرار أسواق الطاقة العالمية.

لكن هذه الهدنة تحمل في أحشائها بذور فنائها، ففي الوقت الذي تعتمد فيه طهران هذه المناورة لتحصين منشآتها النووية في أعماق الجبال – فوردو ونطنز على سبيل المثال – وتطوير ترسانتها الصاروخية، ترى إسرائيل أن عامل الوقت يعمل لمصلحة إيران، وأن التردد الأمريكي يمنح طهران “حصانة جيوسياسية” تقربها من العتبة النووية يوماً بعد يوم، وهذا ما ينظر إليه في إسرائيل بأنه خطر وجودي لا يمكن تحمله.

إن الهندسة الدائرية للمواجهة بين الطرفين ليست أبدية، بل هي لولب يضيق قطره مع كل جولة تصعيد جديدة حتى يصل إلى نقطة الانسداد الكامل. وبمجرد تجاوز الحسابات السياسية المؤقتة التي تفرض الهدنة الحالية، فإن لغة الدبلوماسية ستخلو من مضمونها.

وإذا ما استمر التراجع الأمريكي عن توقيع اتفاق نهائي ينهي الصراع بضغط من اللوبي الصهيوني، فإن البديل القادم لن يكون جولة عقوبات جديدة، بل الانتقال المباشر إلى خيار “الحرب الشاملة”.

إن طبول الحرب التي تُقرع اليوم تحت الرماد تؤشر إلى أن المنطقة مقبلة على معركة كسر عظم مؤجلة، لن تنتهي بتسوية نووية جديدة، بل بإعادة صياغة الخريطة السياسية والجغرافية للشرق الأوسط برمته.