
د. سلام عودة المالكي
تتكسر نصال الردع الأمريكي اليوم فوق صخرة الجغرافيا السياسية الإيرانية، معلنةً نهاية العصر الفضي لاستراتيجية “الصياد والطريدة” التي مارستها واشنطن لعقود. لم تكن الهزيمة الاستراتيجية للولايات المتحدة في مواجهتها مع إيران وليدة صدفة عسكرية، بل نتاج تحول عميق في قواعد الاشتباك وهندسة الحروب الحديثة. لطالما اعتادت القوة العظمى اختيار خصومها بعناية؛ تبحث عن جبهات منهكة داخلياً ومحاصرة دولياً، مثل صربيا وليبيا والعراق، لتنقض عليها بضربات خاطفة لا تُكلفها الكثير. لكن المشهد الراهن يثبت أن الحسابات القديمة لم تعد صالحة لإدارة صراع مع قوة إقليمية تُجيد قراءة الشقوق في جدار الهيمنة الغربية.
إن السقوط في فخ الغطرسة العسكرية يكمن في الخطيئة الاستراتيجية الكبرى لواشنطن اتكالها المطلق على “مفهوم القوة المفرطة” وإغفالها إدارة هذه القوة بكفاءة. فامتلاك أحدث الترسانات العسكرية لا يضمن النصر إذا عجزت القيادة عن قراءة واقع الخصم بدقة. لقد تعاملت الإدارة الأمريكية مع إيران بعقلية الحصار التقليدي، متجاهلة أن طهران أمضت عقوداً في بناء شبكة دفاعية وهجومية عابرة للحدود، قادرة على تحويل نقاط القوة الأمريكية إلى ثغرات قاتلة.
تبدأ ركائز التحول الاستراتيجي من:
* تدمير الملاذات الآمنة للولايات المتحدة*: لم تعد القواعد الأمريكية في المنطقة أو الدول الحاضنة لها دروعاً واقية، بل تحولت إلى أهداف مباشرة في المدى الحيوي للصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، مما جعل القوات الأمريكية في مرمى النيران خارج مسرح المعركة التقليدي.
* عولمة الألم الاقتصادي “منظور ريتشارد وولف*: يرى المفكر الاقتصادي ريتشارد وولف أن أمريكا تواجه اليوم “أعراض أفول الإمبراطورية”، مستنسخة الخطيئة البريطانية عبر استخدام القوة العسكرية المفرطة للتغطية على تراجعها الاقتصادي. لم تعد واشنطن قادرة على عزل حروبها؛ فأي مواجهة مع إيران تعني فوراً تفجير شرايين الطاقة العالمية، وارتداد التضخم كالسوط ليضرب الداخل الأمريكي المهتز أصلاً. إن عولمة الألم تعني أن المواطن في نيويورك سيدفع ثمن الرصاصة التي تُطلق في الخليج.
* تآكل الهيبة الدولية*: كل ضربة أو ردع متبادل لا ينتهي بسحق الخصم، يلتهم جزءاً من كبرياء “القوة العظمى” ويشجع قوى أخرى على التمرد والمواجهة .
* معركة الممرات المائية*: السيطرة الفعلية أو القدرة على تعطيل الممرات البحرية الحيوية من قبل إيران وحلفائها نزعت عن واشنطن صفة “الضامن الوحيد لأمن التجارة العالمية”، وهو أساس شرعية قيادتها للنظام الدولي.
خاتمة مشهدية
إن حدود القوة العظمى -وفقاً لنظرية ميرشايمر- تتلاشى الأضواء عن مسرح القطب الواحد، وتتحرك الكاميرا ببطء لتكشف عن حاملات الطائرات الأمريكية العملاقة وهي تبحر في مياه البحار والمحيطات ، مدججة بأعقد التقنيات النارية، لكنها تقف ساكنة عاجزة عن التقدم خطوة واحدة إضافية باتجاه الحدود الإيرانية . هذا المشهد يجسد جوهر نظرية جون ميرشايمر حول “حدود القوة العظمى”؛ حيث يقف الجنرالات في البنتاغون أمام خرائطهم مستوعبين الحقيقة المرة: القوة الجوية المفرطة قد تدمر الأسقف، لكنها لا تكسر إرادة الدول الحية.
لقد أبلغت القيادة العسكرية الإدارة السياسية صراحة بأنه لا يوجد سيناريو حرب واحد يضمن “الانتصار الدائم” على إيران دون الانزلاق إلى انتحار استراتيجي شامل. ينتهي المشهد والعملاق الأمريكي يدرك، لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية، أن دور “الصياد” قد انتهى. فالصمود الإيراني والقدرة على فرض الردع المتبادل حوّلا القواعد الأمريكية من منصات للهجوم إلى رهائن تحت المرمى. إن مجرد بقاء إيران قادرة على حبس أنفاس الاقتصاد العالمي هو الإعلان السينمائي الأخير لانتصارها الاستراتيجي، وإسدال الستار على زمن كانت فيه واشنطن تصنع الحروب وتختار الضحايا دون ثمن.