الشرق الأوسط ولعبة الأمم

شارك القصة

الشرق الأوسط ولعبة الأمم
الشرق الأوسط ولعبة الأمم
الخط

د. سلام عودة المالكي

لقد بات واضحا أن منطقة الشرق الأوسط مقبلة على تغيرات جيوسياسية كبيرة في خريطتها، سواءً ما يتعلق بالحدود الجغرافية أو مناطق النفوذ ومراكز القوى السياسية الفاعلة، ذلك أن تراجع أدوار بعض الدول أو تلاشيها أضحى مؤكدا.

بعد انهيار نظام صدام، الذي لم يكن له دور باستثناء إشعال الحروب في المنطقة، واحتلال العراق من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وإدخاله في دوامة من الصراعات الداخلية والسماح للتنظيمات الإرهابية بالقيام بأعمالها، وافتعال الصراع الطائفي والمذهبي، والسعي لتمزيق نسيجه الاجتماعي، ما أدى إلى استشهاد عشرات الآلاف من المدنيين الأبرياء وضياع ثرواته وتدمير مقدراته الاقتصادية والاجتماعية والعسكرية، وتعاقب حكومات عاجزة ومفككة نتيجة المحاصصة الحزبية التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية بفعل سياساتها تجاه العراق، ناهيك عن الفساد وانعدام الكفاءة والمسؤولية لمن تولى زمام الأمور.

وقد ترتب على ذلك تراجع دور العراق الإقليمي وتلاشيه كليا في بعض الفترات، في قبال ذلك بدأ دور دول الخليج بالتنامي والبروز رغم صغر حجمها وقلة عدد سكانها وحداثة نشأتها بفعل تحالفها الاستراتيجي مع الولايات المتحدة الأمريكية والغرب وتنامي ثرواتها الذي جعل منها لاعبا مهما في أحداث المنطقة، خصوصاً مع غياب دور مصر المثقلة بالديون والأعباء الاقتصادية الكبيرة، وثم جاء سقوط نظام الأسد في سوريا والذي خاض حربا داخلية طويلة أدت بنهاية المطاف إلى نهايته وإضعاف الدولة وانشغالها بمشاكلها الداخلية. كل تلك العوامل أدت إلى بروز قوى إقليمية أخرى مثل تركيا التي باتت لاعب استراتيجي قوي في المنطقة إلى جانب اللاعب الأساسي المتمثل في الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

إن مستقبل المنطقة ينذر بكارثة جيوسياسية كبيرة قادمة مع إعلان أمريكا والكيان الصهيوني عن خارطة شرق أوسط جديدة والبدء في أعقاب حروبهما على دول المنطقة، فبعد أحداث غزة التي لا زالت قائمة مروراً بحربها على لبنان وسوريا وأخيرا إيران وسعيها لتغير خارطة المنطقة ونشر تحالفها المشؤوم أبراهام، الذي سيكون البوابة الرئيسية لتدمير دول وشعوب المنطقة وجعلها خاضعة لسيطرتها ونفوذها واستعبادهم ونهب ثرواتهم ومقدراتهم وتفكيك هذه الدول إلى دويلات صغيرة ومتناحرة.

لذلك وجب على جميع الدول الحذر من الانخراط بهذا التحالف والتصدي لهذه التحديات الخطيرة ورسم خارطة الطريق نحو استقرار أمني وسياسي واقتصادي واجتماعي مستدام قبل فوات الأوان، لان من يتصور أنه سيكون بمنأى عن تداعيات هذا الصراع فهو إما واهم أو جاهل، فالمخطط كبير جدا يتجاوز حدود الواقع الحالي بل إنه مشروع لعشرات السنين وتمهيد لإقامة حلم إسرائيل بدولتها المزعومة من البحر إلى النهر، فالصراع قائم على أساس العقيدة الدينية وكل ما يطرح من أسباب لا يمت للواقع بصلة فمن يريد معرفة حقيقة ما يجري فليتابع ما يكتب الصهاينة سواء من كان مسيحيا منهم أو يهوديا فكلاهما يشتركان بنفس العقيدة الفاسدة ولا فرق بينهما.

ان تجاوز خلافات الماضي وفتح صفحة جديدة بين دول المنطقة وعدم الانخراط بتحالفات مع الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، والسعي لتفاهمات إقليمية على أسس احترام المصالح المشتركة ومبدأ عدم التدخل وحسن الجوار قد يساعد على تحقيق الاستقرار والسلام والأمن الإقليمي لهذه الدول.