خديعة القرن: كيف اعادت مؤسسة “رند” تصميم العقل العربي.

شارك القصة

خديعة القرن: كيف اعادت مؤسسة “رند” تصميم العقل العربي.
خديعة القرن: كيف اعادت مؤسسة “رند” تصميم العقل العربي.
الخط

 

لم تكن انطلاقة مؤسسة “راند” (RAND Corporation) وليدة الصدفة، بل نشأت عام 1948 كاختصار لعبارة “البحث والتطوير” (Research ANd Development)، بتمويل من سلاح الجو الأمريكي وبالتعاون مع شركة “دوغلاس” للطيران ، وتم تصميمها لتكون “خزان أفكار” (Think Tank) يخدم المجمع الصناعي العسكري الأمريكي، وتلعب دور العقل المدبر في صياغة استراتيجيات “الردع النووي” إبان الحرب الباردة. ومع مطلع الألفية الجديدة، نقلت “راند” ثقلها من صراع الجيوش التقليدية إلى “هندسة المجتمعات”، لتصبح العقل الاستراتيجي الذي يصمم عمليات اختراق الوعي الجمعي العربي، وتفتيت الهويات الوطنية لصالح أجندات الهيمنة.

• تزييف البوصلة: “العدو البديل” كخيار استراتيجي
وضعت “راند” حجر الأساس لاستراتيجية “العدو البديل” عبر تقاريرها المفصلية، وكان أبرزها تقرير “بناء شبكات مسلمة معتدلة”. لم يكن التقرير دعوةً للتعايش، بل كان “دليل استخدام” لشق صف المجتمعات العربية من خلال:

• تصنيف الهويات وتقسيم المجتمع إلى (أصولي، تقليدي، معتدل، علماني) وضرب المكونات بعضها بالبعض الآخر وخلق صراعات بينية مستدامة.

• شيطنة الداخل: تضخيم الخطر الإقليمي والمذهبي ليُصوَّر كـ “تهديد وجودي” يفوق في خطورته الخطر الإسرائيلي، وهو أمر عمل على تمزيق النسيج العربي عن طريق الفتنة العابرة للحدود وإذكاء الصراعات الطائفية اضف الى جعل الاختلافات المذهبية التاريخية كوقود للحروب بالوكالة واستنزاف الثروات والأنفس.

• غرف العمليات: “راند قطر” وهندسة المصطلحات
ارتبط اسم “راند” جغرافياً بالمنطقة عبر “معهد راند قطر للسياسات” (2003-2013). هذا الوجود بالقرب من كبريات المؤسسات الإعلامية العربية( قناة الجزيرة وأخريات)كان يهدف لـ “عولمة المصطلحات”؛ إذ تم تلميع “السلام الإبراهيمي” وتوصيف المقاومة بـ “الميليشيات الإرهابية” ونزع صفتها الوطنية، وتصوير قضية فلسطين كـ “عبء” تاريخي يعيق قطار التنمية.

• التعاون المؤسسي في أبوظبي: افتتحت مؤسسة راند مكتباً لها في أبوظبي عام 2010 لتقديم استشارات بحثية وتحليلية لصناع القرار في المنطقة. كما وقعت اتفاقيات تعاون مع جهات حكومية هناك، مثل شرطة ابوظبي وغيرها من القطاعات الحكومية الأخرى والمؤسسات المدنية •

• هندسة الوعي: من التعليم إلى الثقافة
لم تتوقف “راند” عند السياسة فحسب ، بل امتدت يدها لتطال الجذور الثقافية والتربوية:
تفكيك الموروث: حيث دعت تقاريرها صراحة إلى التدخل في المناهج التعليمية العربية، وحذف المفاهيم التي تعزز المقاومة أو السيادة الوطنية، واستبدالها بقيم “الاستهلاك العالمي” التي تجعل الفرد العربي مجرد رقم في آلة السوق.

• تغيير الخارطة التاريخية: تقليص حضور القضية الفلسطينية واستبدال مصطلح “الاحتلال” بـ “النزاع الإقليمي”.

• صناعة “المواطن التقني”: إنتاج جيل منبهر بالنموذج التكنولوجي الغربي والإسرائيلي، معزول تماماً عن قضاياه القومية.

• النخب الوظيفية”: التغلغل في “العقل الأكاديمي”
تعتمد المؤسسة في تمرير أجندتها على “الوكلاء المحليين”؛ من خبراء “الواقعية المشوهة” إلى أكاديميين يمارسون “بروباغندا عكسية” تسخر من مفهوم السيادة وتجعل من التبعية “ذكاءً سياسياً”، هؤلاء يعملون كـ “كوابح فكرية” تمنع العقل العربي من العودة إلى ثوابته.

ختاما ؛ لقد تحولت ” راند ” الى مركز بحثي يختطف الهوية … ويعيد صياغة الهندسة الإجتماعية عبر عملية “إعادة برمجة” شاملة تهدف إلى تحويل المنطقة العربية من فاعل سياسي وتاريخي قادر على المنافسة، إلى مجرد مساحة جغرافية ممزقة تديرها غرف التفكير في واشنطن … ويتجسد ذلك الاختراق عن طريق شيطنة المقاومة في غزة ولبنان والعراق ، والترويج لـممرات اقتصادية تجعل من إسرائيل كمركز ثقل إقليمي … وهو أمر يجعل السيادة العربية رهينة للتقنية الصهيونية .
من هنا ؛ فإن مواجهة المخطط التفكيكي ل “راند” يتطلب مواجهة تفكيكية معرفية تبدأ بتعرية النخب الوظيفية، واستعادة البوصلة الأصلية ، وإن معركة الوعي القادمة هي معركة “السيادة الذهنية”؛ حيث يُعاد تعريف العدو بناءً على الاحتلال الجاثم على الأرض وليس “خوارزميات” واشنطن.

إن الوعي الذي لا يرى في القدس مركزه، هو وعيٌ مستلب، وتحطيم “غرفة التحكم” الأجنبية هو أولى خطوات التحرر العربي الحقيقي.
وإن ما نعيشه اليوم من تشظٍّ فكري وصراعات جانبية ليس قدراً محتوماً، بل هو نتاج “هندسة” دقيقة وُضعت في تقارير صماء وتم تنفيذها بأدوات ناعمة وبمسميات براقة مثل “الديمقراطية” و”الاعتدال”. وبما ينسجم مع قواعد اللعبة الامريكية والإسرائيلية …

د . سلام عودة المالكي