شطرنج البحار وصدام الإرادات: لغز “إسلام آباد” وطبول حرب الناقلات

شارك القصة

شطرنج البحار وصدام الإرادات: لغز “إسلام آباد” وطبول حرب الناقلات
شطرنج البحار وصدام الإرادات: لغز “إسلام آباد” وطبول حرب الناقلات
الخط

تتحرك خيوط اللعبة الاستراتيجية اليوم فوق رقعة شطرنج صاخبة ، حيث يمتد المشهد من قاعات التفاوض المغلقة في إسلام آباد وصولاً إلى المضائق المائية حيث من يتحكم فيها يحكم للعالم. إنها سردية تعكس صراعاً وجودياً لا يقتصر على نفوذ إقليمي، بل يمس جوهر الهيمنة الدولية وشكل النظام العالمي القادم، في ظل تقاطعات معقدة بين ضغوط “تل أبيب” وحسابات “واشنطن”، وحنكة “طهران” ومناورات “بكين “.

ولمعرفة كيف بدأت جولة التصعيد الأخيرة نعود إلى مراجعة ما حدث خلف الستار في العاصمة الباكستانية، حيث ساد تفاؤل حذر في أروقة الدبلوماسية؛ هناك، وبينما كانت الأقلام تقترب من توقيع مسودة اتفاق وُصفت بأنها “تبريد تاريخي” للصراع، حدث الانعطاف الدرامي المفاجئ. انسحب المفاوض الأمريكي في اللحظة الأخيرة بعد “اتصال هاتفي” من البيت الأبيض دون مبرر منطقي، تاركاً خلفه تساؤلات حارقة حول ماهية القوة التي أجهضت الاتفاق وهو في مخاضه الأخير. في حين تكشف القراءة العميقة ( تسريبات اعلامية مطلعة)أن “الفيتو الصهيوني” كان الحاضر الغائب، حيث نجحت تل أبيب في إقناع إدارة ترامب بأن أي تهدئة في هذه اللحظة هي بمثابة منح طهران “نصراً استراتيجي”، مما دفع واشنطن للهروب من استحقاقات السلام نحو مغامرة التصعيد الأقصى.هذا الهروب لم يكن دبلوماسياً فحسب، بل تحول سريعاً إلى حشد عسكري وملاحي تحت عنوان “حصار الموانئ”؛ إذ قرر ترامب تحريك أحجاره نحو “الخنق الكلي”، مهدداً بمنع أي سفينة من ملامسة الأرصفة الإيرانية، في محاولة لفرض حصار دولي يشبه القرصنة المقننة.

في المقابل تظهر طهران بثبات ويقين( اللاعب المخضرم ) لان”شطرنج البحار” لا يُلعب بطرف واحد، فهي تمسك بكل شرايين العالم الاقتصادية والتجارة الدولية بالتوازي مع إدارة محنكة لمراحل هذا الصراع المتصاعد في جميع جوانبه ومستعدة له بخبرتها الطويلة في مواجهة التحديات الكبرى وانعكاساته المستقبلية دون اكتراث بما تهدد به واشنطن،فايران تتسلح بعدة أدوات، صمود شعبي ، وثبات ميداني، وجغرافيا طوعٓت لصالحها ، وتاريخ طويل من تحمّل الحصار والتغلب عليه اضافة إلى أوراق قوة أخرى كتعدد الجبهات خصوصاً اليمن وباب المندب “الذخر الاستراتيجي” إذا ما اقتضت الضرورة لها.

وفي قلب هذا الإعصار، انبعثت من بروكسل صرخة دبلوماسية حاولت رسم مسار ثالث؛ فقد تحرك الاتحاد الأوروبي، مدفوعاً بهواجسه الوجودية من انهيار أمن الطاقة، لإطلاق مبادرة طموحة تستهدف تشكيل “ائتلاف دولي للأمن البحري”. سعت أوروبا من خلال هذه المبادرة إلى حماية الملاحة وضمان استقرار الممرات المائية بعيداً عن منطق “الحصار المطلق”، معلنةً أن التجارة العالمية لا يمكن أن تظل رهينة للمساومات السياسية، في محاولة لخلق ثقل موازن يمنع الانزلاق نحو صدام بحري شامل لكنها في الوقت ذاته عاجزة عن إيجاد موطىء قدم في ظل تصاعد حدة الأزمة الراهنة مع إختلاف ظهر في آلية تنفيذ هذه المبادرة .

وعلى الجانب الآخر من العالم، تبرز الصين كلاعب “كاسح للألغام” يرفض الانصياع لقواعد اللعبة الأمريكية؛ فبينما تحاول أوروبا تبريد الأجواء، ترى بكين أن الحصار على إيران هو اعتداء مباشر على أمنها القومي ومصالحها الاقتصادية. لذا، فإن الإرادة الصينية بدأت بالفعل في بناء ممرات مالية وملاحية موازية، محولةً الحصار الأمريكي إلى مجرد “ضجيج إعلامي” في مناطق نفوذها. هذا الصراع بين “الخنق الأمريكي” و”التنفس الاصطناعي الصيني” وضع المبادرة الأوروبية أمام اختبار قاسٍ؛ فهي تفتقر إلى “الأنياب” العسكرية القادرة على فرض إرادتها بعيداً عن المظلة اللوجستية لواشنطن، مما يجعلها تبدو كأنها تحاول إمساك العصا من المنتصف في لحظة تتطلب حسماً وجودياً.

إن مآلات هذا الصدام تشير إلى أننا أمام “مخاض عسير” لنظام دولي متعدد الأقطاب يتم اختباره في مياه الخليج؛ فلن يكون هناك غزو عسكري تقليدي، بل “حرب استنزاف بحرية” ذكية، تتبادل فيها الأطراف الضربات تحت سقف الحرب الشاملة. سيبقى ترامب يراهن على سلاح الحصار مدفوعاً بالرؤية الصهيونية حتى يرتطم بجدار الصمود الإيراني أو بالتمرد الاقتصادي الصيني والوساطة الأوروبية القلقة. وعندها فقط، قد تعود الدبلوماسية من بوابة إسلام آباد، إو غيرها، ولكن بشروط واقعية جديدة تدرك فيها واشنطن أن زمن الهيمنة المنفردة على البحار قد ولى إلى غير رجعة.

د . سلام عودة المالكي