في لحظة تاريخية فارقة، تضج الصالونات السياسية والمنابر الإعلامية بجدل مشحون حول “جدوى الإسناد” و”خطيئة إقحام الساحات” في مواجهة آلة الحرب الإسرائيلية. غير أن القراءة العميقة لمسار الصراع، بعيداً عن عواطف الانهزام وبروباغندا التبرير، تكشف أن ما يصفه البعض بالجنون العسكري ليس إلا الفعل الأكثر عقلانية في مواجهة مشروع لا يفهم سوى لغة القوة، وأن الرهان على “الحياد” وسياسة “النأي بالنفس “هو في الحقيقة رهان على الموت البطيء.
سراب الوعود وهشاشة الاتفاقيات
تبدأ الحكاية من “الخطيئة الكبرى” عام 1993، حين توهم البعض أن التوقيع بالأقلام سيكبح جماح الدبابات. إذ إن اتفاقية “أوسلو” لم تكن جسراً للسلام، بل كانت غطاءً جيوسياسياً لأضخم عملية قضم للأرض في العصر الحديث. فبينما كان الفلسطينيون (منظمة التحرير الفلسطينية) يقدمون التنازلات السياسية، كانت المستوطنات تنهش جغرافيا الضفة، وكان الحصار يخنق غزة، والقتل والاعتقال يسيران بوتيرة ممنهجة. إن هذا المشهد يثبت حقيقة واحدة: إسرائيل لا تحترم من يسالمها ضعفاً، بل تستخدم سلمه لتصفية قضيته. وعليه، فإن لوم المقاومة في لبنان أو غيرها على “الإسناد” هو تجاهل متعمد لحقيقة أن إسرائيل لم تلتزم يوماً بالقرار 1701، إنما عمدت إلى خرقه منذ صدوره قبل أن تُطلق رصاصة إسناد واحدة. إنها عقيدة “الاستباحة الدائمة” التي لا يردعها قانون دَوْليّ ولا “اتفاقيات ورقية” ولقد أثبتت التجربة في سوريا ولبنان وفلسطين أنها مجرد “أدوات تخدير” بانتظار لحظة الانقضاض.
الجغرافيا لا تقبل الفراغ: الإسناد كضرورة جيوسياسية
من منظور استراتيجي، تعتمد القِوَى الاستعمارية وربيبتها إسرائيل على استراتيجية “تجزئة الساحات”. الهدف هو عزل غزة لتصفيتها، ثم الالتفات لبيروت لتركيعها، ثم دمشق لتمزيق ما تبقى من سيادتها. هنا يبرز “الإسناد” كعبقرية جيوسياسية ترفض مبدأ الاستفراد.
إن محاولة تحويل المنطقة إلى “مشاع أمني” لإسرائيل، ومن خلفها المشروعات الأمريكية للممرات التجارية البديلة، تتطلب تصفية كل ثغور المقاومة. لذا، فإن الإسناد هو خط الدفاع الاستباقي؛ فإذا سقطت غزة اليوم، ستسقط عواصم العرب تباعاً في فخ “الشرق الأوسط الجديد” الذي تُصمم حدوده بالدم المسفوك إسرائيليا والقرار الأمريكي. فالجغرافيا التي لا يحميها أهلها بالترابط، ستحتلها الأطماع بالتقسيم.
معركة الوعي وتحطيم “سيكولوجيا الجبن”
إن أخطر ما تواجهه الأمة اليوم ليس الترسانة النووية الإسرائيلية، بل “الهزيمة النفسية” التي يسوق لها سياسيون ومثقفون وإعلاميون يرتدون لبوس العقلانية والحرص على الأوطان. هؤلاء يبحثون في القواميس عن مبررات لـ “الخنوع الاستراتيجي”، ويصورون الوقوف مع الأخ المذبوح كأنه “مغامرة طائشة”.
إن بناء كتلة سياسية وشعبية ترفض هذه السردية الانهزامية هو “المعركة الأم”. فالمقاومة العسكرية دون حاضنة واعية تتحول إلى فعل معزول، والعدو يراهن على “الداخل” لكسر إرادة القتال. إن واجب النخب السياسية والثقافية والإعلامية هو تفكيك خطاب التخويف، والتأكيد على أن كلفة المقاومة -مهما عظمت- تظل أقل بكثير من كلفة الاستسلام الذليل الذي لا يورث إلا التبعية والارتهان لوعود واشنطن التي لم تصدق يوماً مع العرب.
في نهاية المطاف، تكشف حقائق الميدان أن “جبهات الإسناد” ليست ترفاً سياسياً ولا مغامرة عابرة، بل هي الحائط الأخير في وجه مشروع التمدد الذي يقتات على الانقسام. إن الرهان على “الوعود الدبلوماسية” في ظل اختلال موازين القِوَى ليس إلا وصفة للارتهان، وان محاولة تسويق “وهم الحياد” لا تعد كونها قفزة في المجهول. فالتاريخ لا يرحم من يكتفون بمشاهدة الحريق في بيوت جيرانهم، والبقاء في هذا الشرق ليس لمن يملك البلاغة السياسية، بل لمن يدرك أن القوة هي وحدها من تفرض السلام، وأن الإسناد في زمن الاستفراد هو أسمى درجات العقلانية الجيوسياسية. ليذهب المطبعون والمنخدعون بوعود “السلام المزعوم” حيث شاؤوا، لكن الحقائق على الأرض تقول: من لا يملك مخلباً وناباً في هذا الغاب، لن يجد له مكاناً على تراب وطنه. سيبقى الجبناء يبررون جبنهم، وستبقى المقاومة هي الحقيقة الوحيدة التي تمنع تحويل المنطقة إلى مستعمرة كبرى.
د. سلام عودة المالكي