لم يكن بزوغ الثقل السياسي لدول الخليج نتاج تطور طبيعي، بل هندسة استراتيجية غربية لنقل مركز القرار من الدول القومية المركزية إلى أنظمة “وظيفية” تفتقر للشرعية الشعبية. إن هذه الأنظمة قايضت “الثروة السيادية” بـ “الاستقرار العرشي”، مما حولها إلى أدوات لتنفيذ أجندة “الفوضى الخلاقة” لضمان التفوق الصهيوني المطلق.
اعترافات حمد بن جاسم: الصيدة التي فلتت
كشفت تصريحات رئيس وزراء قطر السابق، حمد بن جاسم، عن دور الدول الخليجية في دعم الجماعات المسلحة في سوريا، حيث قال:”كنا نصارع على الفريسة … سوريا كانت الصيدة، وفلتت منا”. هذا الاعتراف يثبت التنسيق الكامل بين قطر والسعودية والولايات المتحدة في دعم الفصائل المتطرفة، فضلاً عن ما قامت به دول الخليج في تمويل ثورات ما سمي بالربيع العربي وكيف أسهمت في اسقاط أنظمة الحكم وخلق الفوضى فيها، وكذلك دفع ثمن حروب الولايات المتحدة في المنطقة.
وثائق ويكيليكس: التحريض والاستقواء بالخارج
كشفت تسريبات “ويكيليكس” عن دور قادة خليجيين في التحريض على إيران وحزب الله، حيث حثوا الولايات المتحدة على اتخاذ مواقف متشددة ضدهما، وكشفت الوثائق أيضا عن طلب مسؤولين خليجيين من واشنطن “قصف” المنشآت الحيوية.
الركائز الاقتصادية للتبعية (سلاح البترودولار والجزية)
تُعد دول الخليج “المصرف المركزي” للحروب الأمريكية عبر آليات دقيقة:
– نظام البترودولار (اتفاقية 1974): الالتزام ببيع النفط بالدولار حصراً أنقذ العملة الأمريكية من الانهيار وجعلها عملة الاحتياط العالمي.
– تدوير الأموال (Recycling): إعادة ضخ مئات المليارات من عوائد النفط إلى الخزينة الأمريكية عبر صفقات تسليح فلكية واستثمارات في سندات الخزانة.
– فاتورة “الحماية”: تحملت هذه الدول ثمن الحروب الكبرى وتمويل القواعد العسكرية، مما أعفى دافع الضرائب الأمريكي من كلفة السيطرة على المنطقة.
هندسة الإرهاب وتفتيت الدول الوطنية
لعبت الأموال الخليجية دور “الدينامو” المحرك لمشاريع إسقاط الأنظمة العربية الرافضة للهيمنة:
– نموذج “الجهاد الوظيفي”: استخدام المال والغطاء العقائدي الوهابي لتجنيد المرتزقة وتوجيههم لتدمير الجيوش الوطنية، من أفغانستان في الثمانينيات إلى “الربيع العربي” في 2011، حيث تم استخدام المال والغطاء العقائدي الوهابي لتجنيد المرتزقة وتوجيههم لتدمير الجيوش الوطنية (سوريا، ليبيا، العراق).
– غرف العمليات الاستخباراتية: تأسيس غرف “الموك” و”الموم” بإشراف أمريكي-خليجي لإدارة الفصائل المسلحة وتوزيع السلاح النوعي.
– صناعة الفتنة الطائفية: استثمار الخلافات المذهبية وتحويلها إلى صراعات دموية لضمان عدم التقاء الشعوب على عدو واحد.
دور الإعلام العربي في خلق الفتن
لعبت وسائل الإعلام العربية دورًا كبيرًا في خلق الفتن بين الشعوب العربية والإسلامية، حيث تم استخدامها لترويج خطاب الكراهية والتحريض على العنف.
* الحقائق العقائدية (توجيه الفكر)
تغيير المناهج: حذف الآيات والأحاديث التي تتحدث عن الصراع مع اليهود من المناهج الدراسية في عدة دول خليجية استجابة للمطالب الأمريكية والصهيونية.
* تسييس المنابر: توظيف أئمة الحرمين والمساجد الكبرى للتحريض الطائفي ضد “الشيعة” و”إيران” و”المقاومة”، بينما يمنع الدعاء للمقاومة الفلسطينية في كثير من الأحيان.
* الحرب الناعمة وشيطنة المقاومة: عبر إمبراطوريات إعلامية ضخمة (العربية، الحدث، سكاي نيوز)، إذ تمارس هذه الأنظمة تضليلاً ممنهجاً حيث جرى استبدال “العدو الصهيوني” بـ “الخطر الإيراني”، وتصوير حركات المقاومة في فلسطين ولبنان واليمن بوصفها “أدوات خارجية” لنزع شرعيتها القومية.
* تزييف الصراع: الانتقال من خطاب “التحرير” إلى خطاب “التطبيع”، وتصوير إسرائيل كـ “جار عاقل” وشريك تكنولوجي وأمني لمواجهة المخاطر الوهمية.
* إشاعة الإحباط: التركيز على إظهار أنموذجات الفشل في دول المقاومة (التي تسببت فيها العقوبات الخليجية-الأمريكية أصلاً) لإقناع المواطن العربي بأن ثمن الكرامة هو الجوع والدمار.
الانصهار الصهيوني (من السر إلى العلن)
تمثل “اتفاقيات أبراهام” والتحالف الأمني الحالي ذروة الدور الوظيفي:
– الصهيونية الأمنية: استخدام تكنولوجيا التجسس الإسرائيلية برنامج “بيغاسوس”لملاحقة المعارضين، وقيادات المقاومة والتنسيق الاستخباراتي المباشر مع الموساد لمواجهة قِوَى المقاومة.
* اتفاقيات أبراهام (2020): التي تجاوزت التطبيع الدبلوماسي إلى “تحالف دفاعي” وإجراء مناورات عسكرية مشتركة (خليجية-صهيونية) تحت إشراف القيادة المركزية الأمريكية. والهدف من “اتفاقيات أبراهام” هو دمج الكيان الصهيوني كـ “قائد أمني” للمنطقة، وتوفير مظلة حماية للأنظمة الخليجية من الغضب الشعبي، مما جعل هذه العواصم “رئة” يتنفس منها الاحتلال وقت الشدائد.
– الجسر البري الخياني: إنشاء ممرات برية لكسر الحصار البحري الذي فرضه اليمن، مما يثبت أن هذه الأنظمة تعمل كجدار حماية للكيان عند الشدائد.
استراتيجيات الثَّبات المضاد (محور المقاومة)
رغم الحصار والضخ المالي الهائل، فإن محور المقاومة كسر هذه المعادلة عبر:
– وحدة الساحات: إفشال استراتيجية “الاستفراد” بالجبهات، وتحويل الدفاع عن أي جزء من المحور إلى معركة وجودية شاملة.
– التصنيع الذاتي والردع: تحطيم أسطورة السلاح الغربي بمسيرات وصواريخ دقيقة أصابت العمق الاقتصادي للتحالف.
– الشرعية الميدانية: الارتكاز على عقيدة قتالية مرتبطة بالأرض والكرامة، مقابل جيوش تعتمد على المرتزقة والحماية الأمريكية المتآكلة.
خاتمة: حتمية التحرر وأفول عصر الوكالة
إن التاريخ يثبت أن الأنظمة التي تعتمد في استمراريتها على “الخارج” تسقط بانتفاء مصالح هذا الأخير. وأن المراهنة الخليجية على “المظلة الأمريكية” بدأت تصطدم بصخرة التحولات الدولية وصمود الشعوب.
لقد انتهى زمن “المال الذي يصنع الخرائط”، وبدأ زمن “الإرادة التي تحمي الحدود”. إن المنطقة تتجه نحو تصفية “عصر الوكالة” لمصلحة “عصر السيادة الشعبية”، وما الحروب العبثية والتطبيع الذليل إلا محاولات يائسة لتأجيل حتمية تاريخية تقول: “إن الشعوب أبقى من العروش، وإن الحق يعلو ولا يُعلى عليه”.
د. سلام عودة المالكي