إيران : لغز “القبضة الفولاذية “و”الوجدان الحريري”

شارك القصة

إيران : لغز “القبضة الفولاذية “و”الوجدان الحريري”
إيران : لغز “القبضة الفولاذية “و”الوجدان الحريري”
الخط

 

بقلم: د. سلام عودة المالكي

في أروقة صناعة القرار في واشنطن وعواصم الغرب، وحتى في بعض العواصم العربية، تُنصب “شاشات عرض” عملاقة لتحليل العقل الإيراني. لكن الأزمة تكمن في أن هذه الشاشات لا تعرض الواقع، بل تعرض “انعكاسات” مخاوف ومصالح تلك الدول الخاصة. إنهم يقرؤون إيران كنص مترجم، والترجمة – كما يُقال – خيانة للنص الأصلي.

وحين يقرأ العالم إيران كـ”دولة” محكومة بنظام سياسي عابر، يرتكب خطيئة كبرى. فالحقيقة أن إيران “حالة حضارية” تسكن جسداً سياسياً. وتكمن الأزمة فعلياً في “فجوة الإدراك” لدى الغرب والعرب، الذين يصرون على قياس “العمامة” بـ”القبعة”، وقراءة الداخل الإيراني بحسابات الربح والخسارة الغربية، متجاهلين أن العقل الإيراني لا يتحرك بالنتائج اللحظية، بل بـ”المد الحضاري”.

إن القوة الحقيقية لإيران لا تنحصر في ترسانتها العسكرية ، بل في “الانصهار الكيميائي” بين الوجدان القومي والسياسة الإسلامية. ففي إيران، لا يوجد صراع صفري بين “الحضارة” و”الثورة”؛ بل نجح النظام في إقناع المواطن بأن الدفاع عن “مشروع الدولة” هو دفاع عن “وجود إيران التاريخي”. هذا الاندماج جعل من السياسة الخارجية فعلاً قومياً مقدساً؛ فالمفاوض الإيراني لا يتحدث باسم “حكومة”، بل باسم “حضارة” ترفض الانصياع، والمهندس الذي يطور المسيّرات يرى في عمله استعادةً لمجد تاريخي تضرب جذوره في عمق آلاف السنين.

• التيه العربي: صراع الهوية والذاكرة
أما القراءة العربية، فتصطدم غالباً بجدار العاطفة أو التاريخ المتراكم. يقرأ العرب إيران إما من منظور “الخطر المذهبي” أو “التوسع القومي”، وفي كلتا الحالتين يتم إغفال التطور الاجتماعي العميق داخل المجتمع الإيراني نفسه. هناك فجوة في فهم “البنية التحتية للعقل الإيراني”، الذي لا يرى نفسه “جاراً” فحسب، بل يرى نفسه “مركزاً” حضارياً. وعدم فهم هذا الاعتزاز القومي المرتبط بالدين يجعل المبادرات العربية للتعامل مع طهران تصطدم دائماً بحائط من سوء الفهم المتراكم.

إن عدم القدرة على فهم سيكولوجية “حائك السجاد” في مواجهة “الملاكم الغربي” يُفشل الغرب في التعامل مع إيران؛ لأنهم يذهبون للتفاوض بعقلية “النقاط السريعة”، بينما يدير الإيراني السياسة بعقلية “حياكة السجاد” التي هي في الواقع فن استنزاف الوقت. فالإيراني يفكك الزمن، وينسج خيوط التفاوض بصبر مرعب، ويحول “المناورة” إلى أداة بقاء. فإما أن تحقق المفاوضات اهدافها أو تؤجل إلى جولات أخرى.

وفي جانب آخر يبرز “البازار” كعقل سياسي؛ فالسياسة الإيرانية تُدار كـ”بازار” كبير، حيث الغموض سلاح، والوعود المؤجلة استراتيجية، والقدرة على “الزرنكي” -الذكاء الماكر- هي المعيار الأعلى للنجاح.

لقد سخر الغرب لسنوات من قدرات إيران، حتى جاء اعتراف المستشار الألماني كصدمة للوعي الغربي حين قال: “لم نقدر إمكانية القدرات الإيرانية بشكل صحيح”. إيران لم “تستورد” قوتها، بل أنبتتها من رحم الحصار.

في الوجدان الإيراني، ليست التكنولوجيا مجرد أدوات، بل هي رمز لعزة الأمة وكرامتها. لذا، فإن التفوق التقني خط أحمر تذوب أمامه الضغوط، إذ ترى فيه طهران جوهر كينونتها القومية وسر “صمودها الاستراتيجي.”مما يجعل التنازل في هذا الملف بمثابة هزيمة سيادية لا يمكن القبول بها.

إن القوة الحقيقية لإيران، التي أدت إلى فشل العالم في تقديرها، هي أنها “كيان مسكون بالتاريخ”. هي ليست دولة هشة كما يتمنى خصومها، وليست قوة تقليدية يمكن إضعافها؛ بل إنها “عملاق حضاري” يتقن رقصة التوازنات بين إرث الماضي وتحديات المستقبل. لن ينجح العالم في التعامل مع إيران إلا إذا أدرك أن صواريخها هي “أظافر” لهويتها الدينية والقومية، وأن مفاوضاتها هي “خيوط” في سجاد طويل الأمد، وأن الداخل الإيراني مزيج متجانس من الولاء المطلق والإرث الحضاري العميق. إنها إيران.. التي لا تُقرأ إلا من داخلها، ولا تُفهم إلا بلغة الزمن، لا بلغة الساعات.