نبيل السعيدي
في ذلك الممر، لم أبحث عن عدد الذين أحاطوا بسماحة الشيخ أكرم ..الكعبي، لأن المشهد كان قد حسم جوابه منذ الخطوة الأولى؛ فقد دخل وحده، وكأن الوحدة لم تكن نقصًا، بل كانت اكتمالًا.
دخل في قمة التواضع، لا يجرّ خلفه مظاهر النفوذ، ولا تحيط به الحاشية التي اعتادها أصحاب المواقع. كان يرتدي ثوب المجاهدين، ثوب المقاومين؛ ذلك الثوب الذي لا تُفصّله دور الأزياء، بل تنسجه ساحات المواجهة، وتطرّزه سنوات الصبر والثبات. بدا وكأنه يعلن، بصمته قبل خطواته، أن قيمة الإنسان ليست فيما يحيط به، بل فيما يحمله من مبدأ.

كان دخوله إلى قاعة وداع الامام الشهـ..ـيد السيد علي الخامنئي( رضوان الله عليه ) أشبه بجملةٍ قصيرة، لكنها اختزلت كتابًا كاملًا. فالعظماء لا يكثرون الكلام، وكذلك المواقف العظيمة؛ تمر بهدوء، لكنها تترك في الذاكرة ضجيجًا لا ينطفئ.
لم يكن يمشي ليُرى، بل كان يمشي كما يمشي من اعتاد أن يجعل موقفه يسبقه. ففي زمنٍ يزدحم فيه الناس بالمظاهر، يبقى الموقف هو الصورة الوحيدة التي لا يبهت لونها. ولهذا بدت خطواته وكأنها تقول إن الثبات لا يحتاج إلى ضجيج، وإن الرجال الحقيقيين لا يكبرون بمن حولهم، بل بما يحملونه في صدورهم.
تأملت الصورة طويلًا، فوجدت أن أكثر ما يلفت النظر ليس من يقف على جانبي الطريق، بل ذلك الرجل الذي بدا وكأنه يحمل في صدره يقينًا أثقل من الجبال، ويمشي بخفة من سلّم أمره للمبدأ.
الفلسفة تقول إن الإنسان يُقاس بما يستند إليه حين تُسحب منه كل الزينة. فإن بقي شامخًا بعدما غاب كل شيء، فقد كان يستند إلى نفسه، وإلى عقيدته، لا إلى التصفيق ولا إلى المظاهر.
وليس كل دخولٍ إلى التاريخ يكون عبر المعارك أو الخطب، فبعض الصفحات تُكتب بخطواتٍ هادئة، لكنها مشبعة بالمعنى. هناك مواقف لا ترفع صوتها، ومع ذلك تبقى أعلى من كل الأصوات، لأنها خرجت من قلبٍ لم يعرف التردد يومًا.
لذلك لم أرَ في دخوله رجلًا يسير منفردًا، بل رأيت فكرةً تمشي على قدمين. فبعض الرجال لا يحتاجون إلى رفقة الطريق، لأن الطريق نفسه يستقيم حين تطأه أقدامهم.
وما بين باب القاعة ومكان الوداع، كانت هناك رحلةٌ أخرى لا تراها العدسات؛ رحلة الوفاء. فالوفاء لا يُقاس بعدد الكلمات التي تُقال عند الوداع، بل بالخطوات التي تُقطع إليه.
لذلك لم يكن المشهد بالنسبة إليّ مجرد صورة وداع، بل درسًا صامتًا في معنى الوفاء، ومعنى أن يبقى الإنسان كما هو، لا تغيّره كثرة المصفقين، ولا تنقصه قلة المرافقين. فالقيمة الحقيقية للرجل ليست في عدد من يمشون معه، بل في صدق القضية التي يمشي من أجلها.
ربما لهذا بقي المشهد عالقًا في ذاكرتي؛ لأنني رأيت فيه حقيقةً طالما آمنت بها: إن الرجال الذين تصنعهم المبادئ، لا يخشون السير وحدهم، لأنهم يعلمون أن الله إذا كان مع الإنسان، فلا معنى لوحشته، ولا وزن لكثرة من حوله.
وهكذا، على مهلٍ… لم يكن الشيخ أكرم.. الكعبي يعبر ممرًا فحسب، بل كان يعبر إلى صفحةٍ جديدة من الذاكرة؛ صفحةٍ تكتبها المواقف قبل الأقلام، ويحفظها التاريخ قبل الصور.