بينما تنشغل العواصم الغربية بمحاولة احتواء النيران المشتعلة في الشرق الأوسط، يبرز “المايسترو” الإيراني كلاعب يدير سيمفونية معقدة من التحديات ؛ حيث تندمج “عقيدة الصبر الإستراتيجي النشط” مع سجادة التفاوض” المنقوشة بنقشة الدهاء لتخلق حالة من الارتباك داخل البيت الأبيض لم يسبق لها مثيل منذ عقود. إنها معركة “النفس الطويل” التي تحولت فيها الجغرافيا إلى سلاح، والطاقة إلى أداة ردع كوني ووحده الساحات إلى استنزاف نوعي.
• هندسة “تفتيت الردع”: استراتيجية الجبهات المنسقة
لم تعد طهران تعتمد على المواجهة الجبهوية التقليدية ، بل انتقلت إلى مفهوم “الاستنزاف متعدد الساحات”، حيث تتوزع الأعباء العسكرية بدقة استخباراتية:
1. تجميد الشمال (حزب الله): من خلال “حرب المشاغلة” الذكية، إذ نجح حزب الله في تحويل ثلث القوة العسكرية الإسرائيلية إلى قوة “خاملة” دفاعياً، مما حرم الكيان من ميزة الحسم السريع وجعل الجبهة الشمالية جرحاً نازفاً للموارد والروح المعنوية واستنزاف الموارد البشرية والعسكرية .
2.الخاصرة الرخوة (المقاومة العراقية): تمثل الضربات الجراحية للقواعد الأمريكية رسالة “ردع إستراتيجي” لواشنطن، مفادها أن كلفة البقاء العسكري أصبحت أعلى من العوائد السياسية.
3.المفاجأة الجيوسياسية (اليمن): عبر التهديد بإغلاق مضيق باب المندب، يناور الحوثيون بنقل الصراع من “حرب إقليمية” إلى “أزمة تجارة عالمية”، مما وضع الاقتصاد الغربي تحت رحمة القرار الميداني للمحور.
• ثنائية “النار والدبلوماسية”: دهاء التفاوض تحت دوي الانفجارات
1.يخوض صانع القرار الإيراني “مناورة مزدوجة” تثير قلق المخططين في واشنطن؛ فهو يرفع سقف المواجهة ميدانياً ليخفض كلفة التنازلات سياسياً.
2.المقايضة الإستراتيجية: تستثمر طهران حالة “اللا يقين” الأمريكية” فواشنطن تخشى توسع الحرب الذي قد يؤدي لقفزة جنونية في أسعار النفط (خاصة في سنوات الانتخابات)، وهو ما يمنح المفاوض الإيراني قدرة عالية على المناورة لانتزاع مكاسب في ملفات العقوبات والبرنامج النووي والبالستي وساحات الدفاع المشتركة .
3.إرباك البيت الأبيض: تجد الإدارة الأمريكية نفسها محاصرة بين التزامها العضوي بأمن الكيان الصهيوني، وبين حاجتها الماسة لتجنب “حرب إقليمية شاملة” قد تنهي حقبة الهيمنة الأمريكية في المنطقة.
• التحالف العضوي بين واشنطن والكيان: ”
لقد أصبح “التحالف المقدس ” مع الكيان عبئاً ثقيلاً من منظور استراتيجي، إذ لم يعد الكيان الصهيوني مجرد “حاملة طائرات أمريكية” في المنطقة، بل أصبح يمثل “تحدياً لوجستياً وأخلاقياً” يرهق كاهل ساسة البيت الأبيض ونجحت سياسة “الاستنزاف الإيراني ” في كشف حقيقة أن “التفوق التكنولوجي” لا يحمي من “حرب تعدد جبهات المنظمة”. فواشنطن اليوم تجد نفسها مضطرة لضخ مليارات الدولارات والعتاد في “ثقب أسود” لا يحقق نصراً حاسماً، بل يغرقها أكثر في وحل الصراعات الإقليمية.
• مآلات الصراع: سيناريو “الانفجار العظيم”
إذا ما قررت واشنطن تجاوز الخطوط الحمراء واستهداف البنى التحتية الإيرانية، فإن التحليل الاستراتيجي يتوقع رداً “زلزالياً”:
1. إغلاق “صمام العالم”: تحويل مضيق هرمز وباب المندب إلى مناطق عمليات عسكرية مغلقة، مما يعني شللاً تاماً للاقتصاد العالمي.
2. سقوط قواعد الاشتباك: تحول الصراع إلى حرب “الكل ضد الكل”، حيث ستكون القواعد الأمريكية في مرمى النيران المباشرة من كافة الجبهات في آن واحد.
خاتمة إستراتيجية: سيادة “النفس الطويل”
في نهاية المطاف، فإن إيران لا تهدف إلى تدمير أمريكا عسكرياً، بل تستهدف “إنهاك إرادتها السياسية”. وفي هذا السياق فإننا أمام مشهد يُصاغ فيه “شرق أوسط جديد” بمداد من الاستنزاف والدهاء، حيث لم تعد القوة الغاشمة هي المعيار، بل القدرة على إدارة الألم وتحويل التهديد إلى فرصة للتفاوض من موقع القوة. ويبقى السؤال الجوهري الأهم
“بين حتمية ‘الاستقرار الاقتصادي العالمي’ وسندان ‘الراديكالية السياسية’ في تل أبيب؛ هل تذعن واشنطن لـ ‘تسوية تاريخية’ مع طهران لإيقاف استنزاف نفوذها المنهك؟ أم تنجرف المنطقة نحو ‘انتحار جيوسياسي’ يُحرق فيه أمن الطاقة وتتفكك معه قواعد الاشتباك التقليدية للأبد؟”
د. سلام عودة المالكي