في فلسفة الصراع والمنطلق الوجودي لا يمكن قراءة الجدل الراهن حول جدوى مواجهة “منظومات الباطل” بمعزل عن الصراع الأزلي بين رؤيتين متناقضتين للمصير الإنساني. الرؤية الأولى هي “الواقعية المادية المهزومة”، التي تختزل الوجود في موازين القوى الرقمية، وتُقدس “الآلة” والمال والمنفعة اللحظية، محاولةً تصوير الانحناء للعاصفة كضرورة عقلانية للنجاة. أما الرؤية الثانية، فهي “إستراتيجية اليقين” التي تنطلق من إيمانٍ قطعي بأن الكرامة والسيادة ليست هبات تُمنح، بل هي استحقاق إلهي ووجودي ينتزع انتزاعاً.
إن “اليقين” هنا ليس مجرد انفعال عاطفي، بل هو محرك استراتيجي يقلب معادلات القوة التقليدية؛ فهو الذي يحول “القلة المستضعفة” إلى قوة وازنة قادرة على كسر عنجهية الهيمنة، مؤكدةً أن الوجود الحقيقي لا يُقاس بسنوات البقاء الجسدي، بل بـ “الأثر الأخلاقي ” والموقف الذي ينجو في محكمة التاريخ وحساب الآخرة.
أولاً: الجذور التاريخية – مدرسة الرسول والآل (صلى الله عليه وآله وسلم)في كسر الاستباحة وتستمد إستراتيجية “اليقين” شرعيتها ومسارها من المنهج المحمدي الذي واجه استباحة قريش للكرامة الإنسانية بقلة تسلحت بـ “البصيرة” قبل السلاح. لقد أرسى رسول الله ﷺ قاعدة أن “الحق يعلو ولا يُعلى عليه”، محولاً الهزيمة النفسية في “شعب أبي طالب” إلى نصر استراتيجي بالصبر والإيمان والثبات .
ثم جاء أهل بيته الكرام ليعمقوا هذا المفهوم؛ فكانت “كربلاء” هي المختبر الأعظم لليقين، حيث واجه الإمام الحسين (ع) طوفان الطغيان الأموي بمنطق “هيهات منا الذلة”، مبرهناً أن الدم ينتصر على السيف حين يكون السيف أداة ظلم والدم عنوان كرامة. هذا الميراث هو “الشيفرة الوراثية” التي تغذي اليوم روح المقاومة، محولةً الفعل العسكري إلى رسالة سيادية خالدة.
ثانياً: تشخيص “محور الاستباحة” – غطرسة النهب والتدجين
يعتمد التحالف المتغطرس (الصهيوني-الأمريكي) على استراتيجية “الاستباحة الشاملة” التي تسعى لفرض “تخدير مادي” يوهم الشعوب بأن الانصياع هو سبيل “السلامة”. تهدف هذه الغطرسة إلى:
* التدجين الاقتصادي: ربط لقمة العيش بالتبعية لسحب إرادة الرفض.
* تفكيك المركز الأخلاقي: تحويل المجتمعات إلى شتات استهلاكي يفتقر إلى الهوية الموحدة.
* الاستباحة المعرفية: تصوير التفوق التكنولوجي للعدو كقَدَر لا يُرد، لترسيخ الهزيمة النفسية المسبقة.
* القوة العارية يعتمد التحالف الصهيوامريكي هذه الاستراتيجية التي تتجاوز القوانين الدولية إلى منطق البلطجة.
* بروباغندا الإدلال ( نموذج ترامب): إن تصريحات ترامب التي وصفت دولاً بأنها” بقرة حلوب” واستهزاء برؤساء دول لم تكن زلة لسان بل هي تأصيل لإستراتيجية الاهانة والتبعية المطلقة التي تتبعها الولايات المتحدة في سياستها تجاه الدول.•
* الحرب الوجودية الشاملة: يعلن الكيان الصهيوني صراحةً أن حربه قادمة للجميع، مستهدفاً البنية التحتية والعسكرية لدول المنطقة، مستغلاً انشغال الجماهير بـ “وهم الاستقرار الاقتصادي ” الذي تهدد به أمريكا كسلاح عقابي لكل من يواجه سياساتها الاستبدادية .
ثالثاً: تحولات الصراع – “إنسان اليقين” في مواجهة الآلة
في مواجهة هذا التدجين، يبرز اليقين كآلية لتحصين الوعي الجمعي، خاصة لدى الجيل الناشئ، عبر:
* تحطيم عقدة النقص: من خلال غرس الثقة بأن الإرادة البشرية المسلحة باليقين قادرة على اجتراح المعجزات المادية (كما في الابتكار العسكري تحت الحصار).
* إعادة تعريف النصر: تعليم الأجيال أن النصر هو “الثبات على المبدأ”، وأن الخسارة الحقيقية هي خسارة الكرامة ، لا خسارة المتاع الزائل.
* المصداقية الميدانية: استخدام “إعلام المسافة صفر” لكسر صورة “الجيش الذي لا يقهر” وتحويلها إلى كيان مأزوم يبحث عن صورة نصر وهمية.
* “أحقية الدفاع” وشرعية الوجود في قبال “محور الشر”، وهنا يبرز محور المقاومة كضرورة جيوسياسية وأخلاقية اضافة إلى شرعية الدفاع المقدس في ضوء وجود كل هذه المخططات التدميرية من قبل “محور الشر” .إن مواجهة التمدد الصهيوني والأمريكي ليست “مغامرة”، بل هي تطبيق لمبدأ “الدفاع عن النفس” المكفول شرعاً وقانوناً. فالمقاومة اليوم هي الحصن الذي يمنع تحويل العواصم العربية والإسلامية إلى ساحات مستباحة لمخططات الصهيونية العالمية .
الخاتمة: نحو أفق سيادي – مآلات الاشتباك التاريخي
إن المشهد الراهن ليس مجرد جولة عسكرية عابرة، بل هو تحول جيوسياسي وأخلاقي عميق ينقل الصراع من مرحلة الدفاع عن البقاء إلى مرحلة “الاستنزاف الاستراتيجي الشامل” لمحور الاستباحة. فبينما يغرق “محور الهيمنة” في فخ غطرسته، وتتآكل شرعيته الأخلاقية تحت وطأة جرائمه الموثقة، يبرز “محور الكرامة” كبديل قيمي يثبت أن “إنسان اليقين” عصي على التدجين والكسر.
إن العيش بذلّ هو المقدمة الحتمية للتلاشي، بينما الصمود القائم على البصيرة هو الذي يرسم حدود الجغرافيا القادمة. إننا نقف أمام ولادة إنسان جديد، مستلهم من دروس الرسالة المحمدية وصبر العترة الطاهرة، لا يرى في “طوفان الاستباحة” إلا اختباراً لصلابة الإرادة؛ فالنصر الحقيقي قد تحقق سلفاً في اللحظة التي رُفضت فيها العبودية، وما تبقى هو مجرد تفاصيل زمنية في طريق السيادة المطلقة.
د.سلام عودة المالكي