
د. سلام عودة المالكي
تتشابك خيوط المشهد في الشرق الأوسط لتكشف عن واقع مرير تحكمه “شريعة الغاب”، حيث أُعيدت صياغة المفاهيم الدولية في غرف مظلمة تفوح برائحة الدم والقذارة السياسية، ليصبح حق الدفاع عن النفس والضربات الاستباقية امتيازاً حصرياً لمحور الشيطان واشنطن وتل أبيب، بينما تُصنف مقاومة الشعوب لاستعادة أرضها وحماية عرضها كفعل إجرامي أو إرهابي يستوجب الإبادة. إن هذا النظام العالمي، الذي تبنى “عقيدة بوش” عام 2001 وطورها في عهد إدارة ترامب، منح إسرائيل صكاً مفتوحاً لانتهاك سيادة الدول العربية من فلسطين إلى لبنان وسوريا، وصولاً إلى ضرب العمق الإيراني، معتبراً أن أمن المحتل فوق كل اعتبار قانوني أو إنساني.
ويتجلى هذا الطغيان في استراتيجية “المناطق العازلة” والتطهير المكاني التي تُمارس اليوم في قطاع غزة وجنوب لبنان؛ حيث تُباد مدن كاملة وتُحوّل إلى مناطق غير قابلة للحياة بذريعة تأمين الحدود، في عملية هندسة ديموغرافية تهدف إلى قضم الأراضي وكسر إرادة المقاومة الشعبية. ولا يتوقف هذا التمدد عند حدود فلسطين ولبنان، بل يمتد ليشمل الاحتلال الدائم للجولان السوري ومحاولات التوسع الميداني في العمق السوري جنوباً عبر غارات استباقية ممنهجة، تهدف إلى شل قدرات الدول السيادية ومنعها من بناء أي قوة ردع حقيقية، واحتلال مناطق واسعة في جنوب سوريا وربطها بالجولان وصولاً إلى جبل الشيخ، مما يكرس حالة من “العبودية الاستراتيجية” التي يُراد للمنطقة أن ترزح تحت وطأتها.
هذا العدوان العسكري المسلح تسانده منظومة “إبادة رقمية” وتزييف ممنهج للوعي العالمي؛ فبينما تقصف الطائرات المدنيين، وتقتل آلاف الأطفال والنساء والأطباء والمسعفين والإعلاميين وغيرهم، تعمل خوارزميات شركات التكنولوجيا الكبرى كـ”فصل عنصري رقمي” يحجب رواية الضحية ويجرم خطابها، في مقابل ضخ إعلامي يلمع صورة الجلاد ويمنحه صفة “الضحية المدافعة عن نفسها”. إنها محاولة لكيّ الوعي الجماعي وإقناع الشعوب بأن مصيرها المحتوم هو التبعية أو القتل، مستخدمين في ذلك كل أدوات التضليل الرقمي والذكاء الاصطناعي لقلب الحقائق التاريخية والحالية.
وفي ذروة هذا التغول، تأتي الحرب المفتوحة على إيران كأداة لتثبيت الهيمنة المطلقة، حيث يُمنع أي قطب إقليمي من امتلاك تكنولوجيا القوة التي قد تكسر احتكار المحور الصهيوني-الأمريكي للسماء والأرض. غير أن الاستشراف التاريخي والواقعي يؤكد أن القوانين التي تُكتب بمداد من الظلم لا تصمد أمام إرادة الشعوب؛ فالتاريخ لا يرحم الإمبراطوريات التي ظنت أن القوة المفرطة هي الحقيقة الوحيدة، وما يحدث اليوم من تلاحم في جبهات المقاومة وصمود شعوبها رغم حجم التضحيات الكبيرة التي تقدمها هو الرد الطبيعي على شريعة الغاب، وبرهان ساطع على أن الحق في الحرية والسيادة يُنتزع انتزاعاً ولا يُمنح من الغرف المظلمة، وأن فجر التحرر يبدأ دائماً من رفض منطق العبيد الذي يحاول المستعمر فرضه كأمر واقع.