
د. سلام عودة المالكي
لم تعد الحروب تُحسم بحسابات الترسانات الثقيلة، بل بقدرة العقل الاستراتيجي على نسج خيوط النار والدبلوماسية والصبر في معادلة واحدة. هنا قدّمت إيران “الردع المركب” بوصفه نموذجاً يُفكك أسطورة القوة المطلقة؛ قوة لا تُستدرج إلى الميادين المتوقعة، ولا تنهار تحت الضغط في اللحظة المرسومة لها.
في عالم تديره القِوَى الغاشمة، ابتكرت طهران نموذجاً هجيناً للإدارة الاستراتيجية، إذ لم تعد تتعامل مع الحرب والسلام كمسارين متوازيين، بل كمنظومة متداخلة تتلاقى فيها التكنولوجيا العسكرية المتقدمة مع الدبلوماسية الندية وصلابة الجبهة الداخلية. ويكمن سر هذا النموذج في “اللا نمطية”؛ إيران لا ترد بالطريقة المنتظرة، ولا تتراجع عند النقطة التي يُراد لها أن تنكسر عندها. من هذا المنطق، أعدّت أوراق المواجهة المصيرية بدقة أربكت خصومها.
العقيدة الجوفضائية: قلب معادلة “التفوق النوعي”
تجنبت إيران فخ سباق التسلح التقليدي المُنهِك، واختارت “القفز التقني” عبر بناء ترسانة غير متماثلة من المسيّرات الانتحارية، والصواريخ الفرط صوتية والباليستية الدقيقة. إن هذا المزيج ليس استعراضاً، بل “سلاح إغراق وإشغال”؛ فهو يجبر الخصم على تبديد صواريخ دفاعية تبلغ كلفتها ملايين الدولارات لاعتراض مسيّرات لا تتجاوز كلفتها آلافاً. هكذا تحولت المواجهة المباشرة إلى استنزاف اقتصادي أكثر منها اشتباكاً عسكرياً.
بنك الأهداف: استهداف “الأعصاب الحيوية”
يرتكز الردع الإيراني على بنك أهداف مصمم لضرب مراكز الثقل، لا التشكيلات العسكرية فقط، إذ تشمل خريطة الاستهداف الشرايين الاقتصادية: الممرات المائية، ومحطات الطاقة، والمراكز السيبرانية في عمق الكيان الإسرائيلي. إن هذه الهندسة الردعية جعلت من الهجمات الاستباقية ضد إيران مرادفاً لشلل إقليمي ودولي شامل، ما يعني أن القوة الهجومية للخصم باتت رهينة لمعادلة ربح-خسارة كارثية.
اقتصاد الصمود: تحصين الجبهة الداخلية
انطلقت الاستراتيجية الإيرانية من مبدأ “من يملك الداخل يملك قرار الحرب”. وانطلاقاً من تأمين الوعي الشعبي بحقيقة المخطط الخبيث الذي يستهدف الأمة الإيرانية، وكذلك تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء والطاقة، وبناء خطط طوارئ مدروسة للحياة اليومية، انتزعت طهران ورقة “الانهيار من الداخل” من أجهزة الاستخبارات الغربية. لقد تحوّل المواطن الإيراني إلى حلقة في منظومة الردع، وصار ينظر للعقوبات كـ”ضريبة سيادة” لا كسر إرادة. هذا ما منح الدولة نفساً طويلاً في حروب “عض الأصابع”.
وحدة الساحات و”الغموض البنّاء”
يكتمل المشهد بدمج “وحدة الساحات” عبر محور المقاومة، فتمتد جغرافيا الاشتباك من طهران إلى شرق المتوسط. هذا التمدد، مضافاً إليه ضبابية متعمدة حول القدرات الحقيقية، أفقد الخصوم القدرة على بناء “تقدير موقف” دقيق. إن إيران لا تكشف أوراقها إلا لحظة التنفيذ، وهذا ما يسميه علم الاستراتيجيا “سيادة المفاجأة” و”الردع بالشك”.
الخلاصة: تحويل التهديد إلى بنية ردع
جوهر الإدارة الإيرانية للصراع أنها أعادت هندسة التهديدات لتصبح أصولاً ردعية. إن إيران تفاوض بيد، وتضع الإصبع على الزناد باليد الأخرى، بينما تؤمّن عمقها الداخلي. إنها تدير الصراع بأوراق قوة غير تقليدية تعجز مراكز الدراسات الغربية عن قياسها، لأنها لا تخضع للمعايير الكمية وحدها. إنها نتاج عقل استراتيجي يتقن الصبر، والمناورة، واللعب في المساحات الرمادية التي لا تراها الخوارزميات العسكرية.