العراق بين وهم الثروة وحتمية المعرفة: قراءة في مسارات الانبعاث

شارك القصة

العراق بين وهم الثروة وحتمية المعرفة: قراءة في مسارات الانبعاث
العراق بين وهم الثروة وحتمية المعرفة: قراءة في مسارات الانبعاث
الخط

 

د. سلام عودة المالكي

لم تكن الأرض يوماً عاقراً في عطائها، ولم يكن باطنها شحيحاً بالذهب الأسود أو المعادن النفيسة، لكن التاريخ يهمس في أذن الحاضر بحقيقة قاسية:”إن غنى الأمم لا يُقاس بما ينام تحت ترابها، بل بما يتحرك فوقه من عقول”.

لطالما سقطت دول في فخ “وهم الثروة”، وظنت أن التدفق المادي كفيل بحجز مقعد لها في قطار المستقبل. غير أن مرآة الحضارة تكشف زيف هذا الظن؛ فالأوطان لا تنهض بالمال وحده إذا عُدمت الإدارة، ولا تصمد بالخطابات الرنانة إذا غاب التخطيط الاستراتيجي. النهوض الحقيقي هو هندسة وعي، يبدأ عندما تلتقي إرادة قيادة سياسية حكيمة بوعي شعب مستعد للتضحية، ليتفقا معاً على ميثاق بناء غير قابل للكسر.

في عام 1945، كان العالم يقف مذهولاً أمام مشهد مدينتين تفحمتا بالكامل: برلين وطوكيو. خرجت ألمانيا واليابان من أتون الحرب العالمية الثانية مدمرتين تماماً؛ مصانع مسحوقة، وبنية تحتية أصبحت أثراً بعد عين، وشعوب تتجرع مرارة الهزيمة والجوع. لم يكن لديهما برميل نفط واحد، ولا مناجم ألماس لتمويل العودة. لكن، وَسَط هذا الركام، وُلدت معادلة كونية جديدة. لقد أدركت تلك المجتمعات أن “الصراع على السلطة لا يبني وطناً، وأن الخلاف السياسي لا يُشغل مصنعاً ولا يطور جامعة”. لقد تنحت المصالح الحزبية الضيقة جانباً، وصمتت المدافع لتتحدث لغة الأرقام والتخطيط. كما غُيّب السؤال الحزبي التقليدي “مَن ينتصر منا؟” ليحل محله السؤال الاستراتيجي الأكبر: “كيف تنتصر الدولة؟”.

هذه الروح ذاتها هي التي عبرت بـ رواندا من مستنقع حرب أهلية وإبادة جماعية طمست ملامح الإنسانية، لتصبح اليوم لؤلؤة أفريقيا الرقمية والاقتصادية. وهي الروح التي جعلت من سنغافورة —تلك الجزيرة الصغيرة التي طُردت من اتحادها ولم تكن تملك حتى مياه شربها— عملاقاً مالياً عالمياً. إن السر لم يكن سحراً، بل كان قانوناً بسيطاً وصارماً: تجاوز المصالح الضيقة، وإعلاء معيار الكفاءة والجدارة على حساب الولاء والمحاصصة.

حين نسلط ضوء هذه التجارب الدولية على العراق، نجد أنفسنا أمام مفارقة تثير الدهشة والأسى في آن واحد. إن العراق لم يشكُ يوماً من شح الموارد؛ فهو أرض دجلة والفرات، وموطن الحضارات الأولى، وينام على خزانات هائلة من الطاقة، ويمتلك عمقاً تاريخياً جباراً. ومع ذلك، تعثرت مسيرته لعقود، ليس لفقر في خزائنه، بل لوقوعه في فخ “الخطاب السياسي الفاشل والحروب العبثية والسلطة البوليسية التي تحكم قبضتها على المجتمع”.

بعد عام 2003، تحولت السياسة في كثير من الأحيان من أداة لبناء الدولة ومؤسساتها إلى ساحة لتوزيع الغنائم والمحاصصة الحزبية والطائفية. وعندما تختلف الأحزاب من أجل مصالحها الفئوية، يصاب جسد الوطن بالشلل؛ فتتوقف حركة الاقتصاد ويتراجع التعليم، ويتحول النفط من نعمة تبني الاقتصاد إلى مخدر ريعي يغطي العجز المؤقت بانتظار الأزمة القادمة. لقد دفع العراق ثمن تقديم “الولاء الحزبي” على “الكفاءة الوطنية”، وسيادة “الشعار” على “التخطيط الاستراتيجي”.

إن الثروة الحقيقية التي يمتلكها العراق اليوم لا تكمن في آبار النفط الموزعة في جنوبه وشماله، بل في كتلته البشرية الفتية. إذ يمتلك العراق واحدة من أعلى نسب الشباب في المنطقة، وهي طاقة ديموغرافية هائلة تُمثل “سلاحاً ذا حدين”.

• الوجه الأول: إما أن تُترك هذه الطاقات في طوابير البطالة والتهميش، لتتحول إلى وقود للأزمات الاجتماعية والسياسية.

• الوجه الثاني: أو أن تُلتقط عبر حاضنات وطنية حقيقية، لتتحول إلى محرك أساسي لنهضة غير مسبوقة.

لقد أثبت الشباب العراقي في كل المحافل الدولية والمبادرات الفردية أنه يمتلك جينات الإبداع، وما ينقصه ليس الموهبة، بل “البيئة المؤسساتية” التي تحول الجهد الفردي المتناثر إلى نتاج جماعي منظم يصب في مصلحة الاقتصاد الوطني.

لم يعد بناء الدول يحتاج إلى مئات السنين كما كان يحدث في الثورة الصناعية الأولى؛ فالعالم اليوم، بحلول عام 2026، يعيش في قلب الثورة الصناعية الرابعة وقوامها الذكاء الاصطناعي، والحوسبة السحابية، والاقتصاد الرقمي. وهذا التحول يمنح العراق ميزة “القفز الاستراتيجي”.

لا يحتاج العراق إلى البدء من حيث بدأ الآخرون، بل يمكنه الاستثمار مباشرة في البنية التحتية الرقمية، وتحويل المعاملات الحكومية إلى الفضاء الإلكتروني لتجفيف منابع الفساد الإداري. وبالتوازي مع ذلك، فإن إحياء المصانع المعطلة وتوطين الصناعات التحويلية والتكنولوجية الدقيقة —بدلاً من استيراد كل شيء— هو الكفيل بخلق ملايين فرص العمل، وتحويل العراق من “مستهلك لمنتجات الآخرين” إلى “منتج وشريك في سلاسل التوريد الإقليمية”.

إن تحول العراق من مرحلة “إدارة الأزمات والحرائق اليومية” إلى مرحلة “بناء الدولة العصرية المستدامة” يتطلب ثورة بيضاء في المفاهيم، ترتكز على أربعة مفاصل استراتيجية متكاملة:

*أولاً: ميثاق الاستقرار البنيوي*: أن تدرك القِوَى السياسية كافة أن الاختلاف في الرأي السياسي أمر صحي، لكن تحويل مؤسسات الدولة الخدمية والاقتصادية والتعليمية إلى غنائم حزبية هو خطيئة كبرى تسقط الأوطان. وبالضرورة يجب صياغة خطوط حمراء تحمي استدامة الدولة بغض النظر عن المقاعد والتحالفات.

*ثانياً: حكومة الكفاءة والجدارة *: إنهاء عهد المحاصصة تماماً، وفتح الأبواب للعقول العراقية والخبرات التكنوقراطية لإدارة الملفات المعقدة. إن الأوطان تُبنى بالخبرة والبرامج العلمية، لا بمدى الولاء للحزب أو الطائفة.

*ثالثاً: ثورة التعليم المعرفي والتمكين الشبابي*: إعادة بناء المنظومة التعليمية والجامعية لتواكب لغة العصر الرقمي والذكاء الاصطناعي، وربط المناهج باحتياجات سوق العمل الحقيقية، لتتحول الطاقة الشبابية الضخمة من عبء على الوظيفة الحكومية إلى ركيزة للاقتصاد المعرفي والابتكار.

*رابعاً: هندسة الثروة المستدامة (فطام النفط)*: استغلال الوفرة المالية المتأتية من قطاع الطاقة الحالي لتمويل التحول التكنولوجي، ودعم القطاع الخاص، وإحياء المدن الصناعية والزراعية الذكية، لتنويع مصادر الدخل وحماية أمن الأجيال القادمة من تقلبات أسواق الطاقة العالمية.

في نهاية المطاف، تسقط الأوطان عندما تتصارع الأحزاب على حصصها، وتنهض عندما تتفق على حصة الوطن. إن الخطابات السياسية المستهلكة والشعارات الطنانة لم ترفع يوماً تصنيف جامعة، ولم تُشغل خط إنتاج في مصنع، ولم تُطعم جائعاً.

إن انتصار العراق الحقيقي لن يكون بهزيمة طرف سياسي لآخر، بل بانتصار مؤسساته، واستعادة عافية اقتصاده، وتمكين كفاءاته وشبابه. وعندما يتوقف الضجيج السياسي وتبدأ لغة التخطيط الاستراتيجي والتكنولوجي، سيعلن العراق للعالم أنه نفض عنه غبار السنين ، ليعود كما كان دائماً، قلب الشرق الأوسط النابض وعموده الفقري المستقر والمزدهر.