في محراب الشهادة والعشق والفداء: “المسمار الشيعي” يبقرُ بطنَ الهزيمة

شارك القصة

في محراب الشهادة والعشق والفداء: “المسمار الشيعي” يبقرُ بطنَ الهزيمة
في محراب الشهادة والعشق والفداء: “المسمار الشيعي” يبقرُ بطنَ الهزيمة
الخط

د. سلام عودة المالكي

في محرابِ الشهادةِ والعشقِ والفداء، يَقِفُ العالمُ مذهولاً، شاخِصَ البصرِ، أمامَ معادلةٍ كَسَرتْ كُلَّ قواميسِ العلومِ العسكريةِ والسياسية؛ معادلةِ أمةٍ تُثكَلُ في قادتِها، وتُستهدَفُ في رموزِها، وتُواجِهُ أعتى ترساناتِ الأرض، لكنَّها عِوضَ أنْ تَنحني لعواصفِ الفقدِ، تزدادُ صَلابةً وعُنفواناً وثباتاً. يسألونَ في عواصمِ القرارِ الغربيةِ والشرقية: كيفَ لمذهبٍ يُقَدِّمُ قادتُه صرعى في ميادينِ النِّزال الممتدةِ من قاسم سليماني، إلى حسن نصر الله، وصولاً إلى المشهدِ المليوني الرهيب الذي خرجَ لتشييعِ السيّد علي الخامنئي، أنْ لا يَهتزَّ له رُكنٌ ولا يلينَ له مَكْسِر؟ كيفَ تحوّلت الملايينُ في إيران، والعراق، ولبنان، واليمن، إلى جسدٍ عقائديٍّ واحدٍ يمسحُ دموعَ الفقدِ بيَد، ويَقبضُ على زنادِ الاستمراريةِ باليدِ الأخرى؟ لفكِّ هذا اللغز الإعجازي، لا بدَّ من الغوصِ في ثنائيةٍ مَتينةِ البُنيان تَلتحمُ فيها عاطفةُ “واقعةِ الطف” التاريخية، مع صلابةِ “عقيدةِ الولاية والمرجعيةِ. *أولاً: كربلاء.. المذبحُ الّذي يَلِدُ القادةَ والمقاومين* إنَّ السِّرَّ الكامنَ وراءَ هذا العزمِ الشيعي الّذي لا يَنفد، يكمنُ في طبيعةِ البُنيةِ الروحيةِ لِأتباعِ الإمام عليٍّ وأولادِه المعصومين. فالشيعةُ لا يَرونَ في القائدِ شَخصاً عابراً ينتهي برحيلِه المشروع، بل يَرونَ فيه امتداداً لـ “نهجِ كربلاء” وخطِّ الشهادةِ الأزلي. في الوجدانِ الشيعي، ليستْ “واقعةُ الطف” مَأساةً تاريخيةً تُبكى لمجرّدِ الحُزن، بل هي مدرسةٌ جينيةٌ صَاغتِ النَّفسيةَ الشيعيةَ لِتكيّفَ مع كُلِّ أنواعِ الفقد: 1. *تحطيمُ مفهوم الصدمة العسكرية*: عندما يرى الشيعةُ أشلاءَ قادتِهم المُمزَّقة، لا يُصابونَ بالانكسار؛ لأنَّ الذاكرةَ الجمعيةَ مَشحونةٌ مسبقاً بمشهدِ جسدِ الحسينِ المُقطَّعِ بالسيوفِ فوقَ رمضاءِ كربلاء. 2. *خطاب “ما رأيتُ إلا جميلاً”*: هذا الشعارُ الزينبيُّ الخالدُ تحوّلَ إلى دستورٍ نفسي للجمهور. الفقدُ عندَهم ليس خسارةً، بل هو “ارتقاءٌ واصطفاء”، وتحوّلُ القائدِ من الميدانِ المحدودِ إلى الفضاءِ الرمزيِّ المطلقِ الّذي يُشعلُ الحماسَ في ملايينِ الأتباع؛ فالقائدُ الشهيدُ عندَهم أشدُّ خطراً على الأعداءِ من القائدِ الحي. ثانياً: عقيدةُ الولاية والمرجعية .. هندسةُ البقاءِ الروحي والإداري* إذا كانت كربلاءُ تُمثّلُ الوقودَ العاطفيَّ والروحي، فإنَّ “عقيدة المرجعية والنيابة العامة” تُمثّلُ العقلَ الهيكليَّ المعماريَّ الّذي يَحمي الطائفةَ من الارتباكِ والانهيارِ عند غيابِ الكاريزمات السياسية أو العسكرية: 1. *النيابةُ العامة كجدارِ أمانٍ مُستمر*: بعد غيبةِ الإمامِ المهدي (عج)، لم يُترَك الشيعةُ في فراغ؛ بل أُرسيَتْ قواعدُ “النيابة العامة” لفقهاءِ الأمةِ والعدولِ من المراجع. وهذا يعني أنَّ المشروعَ الشيعي غيرُ مرتبطٍ بشخصِ القائدِ الفرد، بل بالمنصبِ والموقعِ العقائدي. فإذا استُشهدَ قائدٌ أو مرجع، كان البديلُ جاهزاً عقائديّاً وفقهيّاً لتسلُّمِ الرايةِ فوراً دونَ أدنى ثغرةٍ يتسللُ منها العدو. 2. *الارتباطُ العضويُّ بـ “التقليد”*: عقيدةُ التقليدِ تَجعلُ من الملايينِ جَيشاً طائعاً طواعيةً روحيةً للمرجعيةِ الشريفة. المرجعُ ليس حاكماً دنيوياً تَسقطُ شرعيتُه بانتهاءِ دولتِه، بل هو نائبُ المعصوم؛ لذا فإنَّ الفتوى الصادرةَ عنه تملكُ قوةً مَعنويةً تَجعلُ المؤمنَ يندفعُ نحو التضحيةِ والاستشهاد، كما تجلّى في فتوى الجهاد الكفائي وفي نداءات “لَبَّيْكَ يا نصر الله”. *فلسفة “المسمار”: الطَّرْقُ يَصنعُ التجذُّر* لعلَّ التشبيهَ البليغَ بأنَّ الشيعةَ «كمسمارٍ كُلَّما زادَ الطرقُ عليه زادَ ثباتاً في الخشب» يُلخّصُ جوهرَ البقاءِ الشيعي. الأزماتُ والمصائبُ التاريخيةُ والمظلوميةُ المتراكمةُ على مرِّ العصور لم تكن يوماً مِعولَ هدمٍ، بل كانت أداةَ صَقلٍ لِجَوهرِ هذه العقيدة. كُلُّ مَطرقةِ اغتيالٍ، وكُلُّ قذيفةِ غدرٍ، تُسهمُ في دَفْعِ هذا الجسدِ العقائدي ليتجذَّرَ عَميقاً في تُرابِ المبادئ، ويتحوّلَ إلى سَدٍّ مَنيعٍ أمامَ الاستسلام. حين تلتقي ثقافةُ الاستشهادِ الحُسينية مع الانضباطِ المؤسساتي للمرجعية، تَنصهرُ الأمةُ في سبيكةٍ إعجازيةٍ واحدة لا تقبلُ القسمةَ أو الانكسار. *رسالة النعوش العابرة للحدود وتلاحم المحور* المشهدُ الرهيبُ لتشييعِ السيّد الخامنئي، الذي تَنقّلَ بين العواصمِ والمقدساتِ في ملحمةِ وفاءٍ رَسمتْ مَعالَمَ طوفانٍ بَشريٍّ لا يَهدأ، حَمَل رسائلَ سياسيةً وعقائديةً عابرةً للقارات. لقد بَعثَ هذا الزخمُ المليوني في طهران، وبغداد، والنجف، وكربلاء، برسالةِ رُعبٍ وجوديٍّ للأعداء، مُثبِتاً بالدليلِ القاطعِ حقيقةً لا مَفَرَّ منها: – لا فُرقةَ ولا وهنَ بين أبناءِ هذا المذهبِ رَغمَ حُطامِ الأحداثِ وعِظَمِ الفاجعة؛ فالعيونُ المليونية الباكية كانت تَنظرُ في الوقتِ ذاته إلى المرجعِ والرايةِ الّتي تليها بثقةٍ مطلقة. – تكاملٌ مَيدانيٌّ وروحيٌّ عابر للحدود يَمتدُّ من ضاحيةِ بيروتَ الأبيةِ إلى جِبالِ اليمنِ الصامدةِ وكلِّ شيعةِ العالم. *هل يُدرك العالم جوهر الحقيقة المحضة؟* إنَّ النُّخبةَ الاستخباراتيةَ والمراكزَ الفكريةَ العالميةَ ستبقى عاجزةً عن فكِّ شفرةِ هذا الثبات مادام أنَّها تقيسُ الأمورَ بمقاييسِ المادّةِ والسياسةِ النفعية. لكي يَفهمَ العالمُ كُنهَ الشيعةِ، عليه أولاً أنْ يَقبعَ في محرابِ “العشقِ الإلهي”، وأنْ يَقرأ تاريخَ النَّحرِ في كربلاء، لِيُدركَ أنَّ شعباً تَرعرعَ على نداءِ «هيهات منا الذلة» لا يمكنُ دَحرُه، وأمةً تَرى الموتَ في سبيلِ الحقِّ “سعادةً” لا يُمكِنُ كَسرُ إرادتِها.